في أول ظهور لرئيس سوري جديد أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ 1967، دعا الرئيس أحمد الشرع إلى رفع العقوبات المفروضة على سوريا بالكامل، كخطوة أساسية لبدء حقبة جديدة تقوم على السلام والتنمية والدولة المستقرة.
هذا الموقف يحمل في طيّاته رسائل عدة — سياسية، اقتصادية، ورؤية استراتيجية — تستحق التدقيق والتأمل. في هذا المقال نسلط الضوء على أهم المحاور والدلالات.
العقوبات وأثرها على المجتمع
سنوات الحرب تركت آثارًا عميقة على البنية التحتية، الاقتصاد، والمجتمع السوري ككل. ومع استمرار العقوبات، باتت إعادة الإعمار أكثر صعوبة، حيث تعيق هذه الإجراءات وصول الاستثمارات، وتحدّ من قدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية.
الرئيس أوضح أن العقوبات لا تستهدف الحكومة وحدها، بل تصيب المواطن في لقمة عيشه وصحته وتعليمه، وهو ما يجعل رفعها ضرورة إنسانية قبل أن يكون مطلبًا سياسيًا.
وفي كلمته، أعلن الشرع أن سوريا تتحول من بلد “يصدّر الأزمات” إلى فرصة لتعزيز الاستقرار والسلام في المنطقة بأسرها وأن أن رفع العقوبات ليس مطلبًا سياسيًا فحسب، بل شرطي أساسي لبدء إصلاح اقتصادي، جذب استثمارات، وإعادة بناء الدولة.
نحو دولة جديدة
أكد الرئيس أن سوريا تعيش اليوم مرحلة انتقالية دقيقة تهدف إلى تأسيس دولة عصرية تقوم على قيم العدالة والمساواة. هذه المرحلة، كما وصفها، ليست مجرد تغيير سياسي عابر، بل مشروع وطني شامل يعيد رسم ملامح الدولة ويمنح المواطن موقعه الطبيعي كركيزة أساسية في عملية البناء. الدولة الجديدة، وفق رؤيته، تعمل إلى إعادة بناء المؤسسات المتهالكة، وتطويرها لتصبح أكثر قدرة على خدمة الشعب، مع تحديث القوانين والتشريعات بما يتلاءم مع متطلبات العصر، وضمان الحقوق للجميع دون استثناء أو تمييز.
وأضاف أن المرحلة القادمة ستكون مرحلة انفتاح على العالم، ليس فقط على المستوى الاقتصادي لجذب الاستثمارات والمشاريع الكبرى، وإنما أيضًا على المستوى السياسي والدبلوماسي من خلال إعادة وصل ما انقطع مع المجتمع الدولي واستعادة الدور السوري الفاعل في محيطه الإقليمي. هذا الانفتاح، بحسب الرئيس، هو دليل على رغبة حقيقية في طي صفحة الماضي والانطلاق نحو مستقبل يضمن الاستقرار، ويمنح الأجيال القادمة فرصة العيش في دولة حديثة قادرة على المنافسة والازدهار.
الانتخابات وحصر السلاح
من بين النقاط المحورية التي ركّز عليها الرئيس في خطابه، كان التأكيد على تنظيم انتخابات برلمانية وشيكة، تُعد خطوة أساسية نحو استعادة الشرعية الدستورية وترسيخ مبدأ المشاركة الشعبية في صياغة مستقبل البلاد. هذه الانتخابات، كما أشار، ليست مجرد استحقاق سياسي دوري، بل تمثل فرصة لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وإعطاء الشعب مساحة أكبر للتعبير عن إرادته ضمن إطار قانوني ومؤسساتي واضح. وأكد أن العملية الانتخابية ستُجرى وفق معايير تضمن الشفافية والنزاهة، بما يعكس صورة جديدة لسوريا أمام الداخل والخارج على حد سواء.
وفي موازاة ذلك، شدد الرئيس على أن أي عملية سياسية أو اقتصادية لن تُكتب لها الاستمرارية ما لم تُحسم مسألة السلاح بشكل نهائي، بحيث يُصبح حكرًا على الدولة وحدها. فالأمن، كما قال، هو الأساس الذي تُبنى عليه المشاريع الإصلاحية والتنموية، وبدونه لا يمكن تحقيق الاستقرار المطلوب ولا جذب الاستثمارات أو ضمان عودة الحياة الطبيعية. لذلك اعتبر أن استعادة السيطرة الكاملة للدولة على أراضيها ومؤسساتها شرط لا بد منه لبناء المستقبل، وأن فرض هيبة القانون على الجميع هو الخطوة التي ستعيد لسوريا مكانتها كدولة قوية موحدة قادرة على حماية شعبها وصون سيادتها.
الاقتصاد والاستثمار
الرؤية الاقتصادية التي طرحها الرئيس جاءت لتضع ملامح واضحة لطريق التعافي، حيث ركّزت بشكل خاص على أهمية جذب الاستثمارات الخارجية وفتح المجال أمام رؤوس الأموال العربية والدولية للدخول إلى السوق السورية. وأوضح أن القطاع الخاص يجب أن يتحول إلى شريك رئيسي وفعّال في عملية إعادة الإعمار، ليس فقط عبر ضخ الأموال، بل أيضًا من خلال نقل الخبرات، وإدخال التكنولوجيا الحديثة، وخلق فرص عمل جديدة تُسهم في تنشيط الاقتصاد المحلي.
هذا التوجه يعكس إدراكًا عميقًا بأن الاعتماد على المساعدات أو القروض الدولية وحدها لن يكون كافيًا لتلبية حجم التحديات الضخمة التي تواجه البلاد، خصوصًا أن إعادة بناء ما دُمّر يحتاج إلى موارد هائلة تتجاوز قدرات الدولة بمفردها. ومن هنا تأتي الحاجة إلى بناء بيئة اقتصادية جاذبة تقوم على قوانين واضحة وشفافة، تعطي المستثمرين الثقة وتوفر لهم الحماية القانونية، وتضمن في الوقت نفسه استفادة المجتمع من العوائد.
كما شدّد على أن الإصلاح الاقتصادي لا بد أن يترافق مع إصلاح إداري ومؤسساتي يُعيد للدولة دورها التنظيمي والرقابي، بحيث تُفتح الأبواب أمام القطاع الخاص للعمل بحرية، لكن ضمن إطار يخدم المصلحة العامة ويحافظ على العدالة الاجتماعية. وأشار إلى أن الهدف النهائي ليس فقط إعادة الإعمار المادي، بل بناء اقتصاد متوازن ومستدام قادر على الصمود أمام الأزمات والتقلبات المستقبلية.
التحديات الإقليمية
لم يخفِ الرئيس أن التحديات الأمنية والسياسية في المنطقة ما زالت قائمة، خصوصًا مع استمرار التهديدات الإسرائيلية ومحاولات استغلال الوضع الانتقالي. لكنه شدد على أن الحوار والدبلوماسية هما الطريق الأمثل لحماية السيادة السورية ومنع أي انزلاق جديد نحو الصراع.
رفع العقوبات يمثل مفتاحًا أساسيًا لمرحلة إعادة الإعمار، إذ يمكن أن يفتح الباب أمام عودة رؤوس الأموال وتدفق المشاريع، ويمنح السوريين فرصة لتحسين حياتهم اليومية. في المقابل، تبقى المخاطر قائمة ما لم يتم تنفيذ إصلاحات حقيقية تضمن الشفافية، وتبني الثقة بين الدولة والمجتمع، ومع الشركاء الدوليين.
الخلاصة
خطاب الرئيس السوري جاء كرسالة واضحة بأن البلاد تقف اليوم عند مفترق طرق: إما أن تبقى أسيرة العقوبات والقيود، أو أن تبدأ رحلة بناء دولة جديدة أكثر قوة واستقرارًا. رفع العقوبات قد يكون البوابة نحو مستقبل مختلف، لكن نجاح هذا المسار يتوقف على الإرادة السياسية، والإصلاح الجاد، والاستعداد لتحمّل مسؤولية التغيير.

