أعلنت بورصة هونغ-كونغ شطب شركة إيفرغراند من التداول، بعد تجميد استمر 18 شهراً منذ إصدار حكم التصفية في يناير 2024 بسبب فشل الشركة في تقديم خطة لإعادة هيكلة ديونها. هذه الخطوة وضعت نهاية رسمية لمسيرة واحدة من أكبر شركات التطوير العقاري في الصين، التي وصلت ذروتها بقيمة سوقية تجاوزت 50 مليار دولار، قبل أن تفقد أكثر من 99٪ من قيمتها السوقية حتى لحظة الشطب.
تحليل شامل لواقع الأزمة
إيفرغراند كانت محاصرة بديون تتجاوز 300 مليار دولار، وهو ما جعلها أكبر مطور عقاري مثقل بالالتزامات في العالم. وعندما أعلنت عجزها عن السداد في عام 2021، اهتزت ثقة المستثمرين بشكل كامل. ومنذ ذلك الحين، لم يتمكن المصفّون من استرداد سوى مبالغ بسيطة مقارنة بمئات المليارات المطلوبة، ما يعني أن معظم المستثمرين والدائنين لن يتمكنوا من استعادة إلا نسبة محدودة جدًا من أموالهم.
الأزمة لم تكن نتيجة عارض واحد بل نتاج سنوات من النمو القائم على الاقتراض المفرط. فعندما فرضت السلطات الصينية سياسات صارمة لتقييد الديون في 2020، وجدت إيفرغراند نفسها غير قادرة على الاستمرار، وبدأت موجة التخلف عن السداد. ومع تباطؤ مبيعات العقارات، تحوّل التراجع إلى انهيار كامل للسوق، ما جعل الشركة عاجزة عن تلبية التزاماتها المالية.
التداعيات على السوق العقاري
شطب إيفرغراند من البورصة لم يكن مجرد نهاية لشركة، بل يمثل رمزاً لانتهاء مرحلة كاملة من النمو غير المستدام في السوق العقاري الصيني. السوق اليوم يعيش أزمة ثقة ممتدة، مع تراجع المبيعات وتعثر المشاريع، وعدم قدرة كثير من المطورين الآخرين على الصمود. المشاريع غير المكتملة، التي كانت تضم نحو 1,300 مشروع في أكثر من 280 مدينة، تترك وراءها آلاف المشترين الذين دفعوا مقدمات وما زالوا بانتظار منازلهم وقد سبب ذلك عزوف شريحة واسعة من المشترين عن الدخول في صفقات عقارية جديدة.
إيفرغراند كانت المثال الأبرز لنمو السوق العقاري الصيني القائم على الديون. سقوطها العنيف يعكس حجم المخاطر الكامنة عندما يُبنى قطاع كامل على الاقتراض المفرط دون رقابة فعالة.
الأزمة لم تضرب المطورين فقط، بل امتدت إلى الصناعات المرتبطة بالعقار مثل الصلب والإسمنت والإنفاق الأسري. ومع تباطؤ المبيعات، تراجع الطلب على المواد الخام، ما ألقى بظلال سلبية على قطاعات أخرى مرتبطة بالبناء.
استراتيجية الحكومة الصينية
حتى الآن، لم تعتمد الحكومة الصينية سياسة دعم شاملة، بل اكتفت بتدخلات محدودة لتشجيع بعض عمليات الشراء وتخفيف الضغط على السوق. وهذا يوضح أن الدولة تفضل إدارة الأزمة بشكل تدريجي، بدل اللجوء إلى ضخ أموال هائل لإنقاذ الشركات المتعثرة.
شطب إيفرغراند من بورصة هونغ-كونغ ليس مجرد نهاية لشركة، بل هو إعلان رسمي عن انهيار نموذج اقتصادي اعتمد لسنوات على النمو السريع المدفوع بالديون. الأزمة الحالية أعادت ترتيب الأولويات في السوق العقاري الصيني من سباق على التوسع بأي ثمن، إلى مواجهة واقعية مع ضرورة إعادة الثقة للمشترين، وضبط السياسات التمويلية، والبحث عن نماذج أكثر استدامة للنمو.
إنها رسالة تحذيرية للعالم بأسره, النمو غير المتوازن، حتى لو بدا واعدًا في البداية، يمكن أن يتحول إلى أزمة تطال الاقتصاد والمجتمع بأسره.

