يمثل إعلان مصرف سوريا المركزي عن توقيع اتفاق شراكة استراتيجية مع شركة فيزا في 4 ديسمبر 2025 نقطة تحول في مسار البنية المالية الرقمية في البلاد، وخطوة عملية نحو إعادة دمج سوريا في الاقتصاد العالمي بعد سنوات طويلة من العزلة والضغوط الاقتصادية. الاتفاق، الذي جاء بعد سلسلة لقاءات رسمية مع قيادات فيزا ومذكرات سابقة مع ماستركارد، يعكس توجهاً واضحاً نحو بناء اقتصاد رقمي قادر على دعم النمو والاستقرار النقدي في مرحلة حساسة من التعافي الاقتصادي.
خارطة طريق نحو منظومة دفع رقمية حديثة
تركز المرحلة الأولى من الشراكة على تطوير بنية تحتية متكاملة لمدفوعات إلكترونية بمعايير عالمية، تشمل:
- إصدار بطاقات دفع ومحافظ رقمية تعتمد تقنيات EMV وtokenization لضمان أعلى درجات الأمان ومنع التلاعب.
- تمكين التجار والمنشآت الصغيرة والمتوسطة من قبول المدفوعات الإلكترونية عبر حلول منخفضة التكلفة مثل Tap to Phone وQR Codes، ما يوسع قاعدة الاقتصاد الرقمي ويقلل الاعتماد على النقد.
- بناء قدرات محلية تسمح للمؤسسات المالية السورية بتبنّي معايير عالمية في إدارة المدفوعات والامتثال، وربط رواد الأعمال بالشبكة الدولية لفيزا.
هذا التحول لا يتعلق فقط بالتقنية, بل يرتبط بإعادة صياغة منظومة مالية أكثر شفافية، قابلة للرقابة، ومتكاملة مع الأسواق العالمية.
انعكاسات الاتفاق على التضخم واستقرار الليرة
من منظور مالي، يُعد تخفيض الاعتماد على النقد خطوة محورية في معالجة التضخم، خاصة في اقتصاد عانى طويلاً من:
- تهريب العملة
- تعدد أسعار الصرف
- ضعف أدوات السياسة النقدية
دخول فيزا يعزز قدرة المصرف المركزي على تتبع التدفقات النقدية، ما يحد من السوق الموازية ويقلل الضغط على الليرة السورية. فانتشار المدفوعات الرقمية يخفف الطلب على العملات الأجنبية لأغراض الدفع، ويقلل الطلب المضاربي الذي يؤدي عادةً إلى تقلبات سعر الصرف.
كذلك، يسهم توسع القبول الإلكتروني في تحسين كفاءة التجارة الداخلية والخارجية، وتقليل تكاليف الاستيراد غير الرسمي، ما ينعكس مباشرة على مستويات الأسعار.
تحفيز النمو الاقتصادي وتوسيع قاعدة المشاركة
الاقتصاد السوري بعد الحرب يحتاج إلى أدوات تحفيز مباشرة للقطاع الخاص، وخاصة المنشآت الصغيرة والمتوسطة. وهنا يظهر تأثير الاتفاق من خلال:
- إتاحة وسائل دفع منخفضة التكاليف للتجار، بما يمكّنهم من دخول الاقتصاد الرسمي.
- رفع مستوى الشفافية المالية، ما يشجع المستثمرين المحليين والأجانب على العودة تدريجياً.
- تسهيل التجارة الإلكترونية وربطها بمنصات عالمية، ما يوفر فرصاً جديدة لرواد الأعمال والشركات الناشئة.
وفق المعطيات الحالية، يمكن أن يسهم هذا التحول في تسجيل معدلات نمو تتجاوز توقعات البنك الدولي (1% لعام 2025) إذا نُفذت الخطة بالسرعة والكفاءة المطلوبة.
التحديات القائمة وفرص تجاوزها
رغم أهمية الاتفاق، إلا أن نجاحه يعتمد على تجاوز مجموعة من التحديات، أبرزها:
- ضعف البنية التحتية التقنية في العديد من المؤسسات المالية المحلية.
- الحاجة إلى تدريب كوادر مصرفية وفنية قادرة على إدارة أنظمة دفع عالمية.
- التأثير المتبقي للعقوبات السابقة رغم تخفيفها التدريجي.
- الاقتصاد المتضرر من الحرب والذي يحتاج وقتاً لاستعادة العافية.
لكن تبنّي منصة دفع عالمية مثل فيزا يمنح سوريا أفضلية مهمة، إذ يُسهم في إعادة بناء الثقة الدولية وفتح قنوات جديدة للتعامل المالي الآمن.
أخيراً, اتفاق الشراكة بين مصرف سوريا المركزي وشركة فيزا ليس مجرد مشروع تقني؛ بل خطوة استراتيجية لإعادة هيكلة النظام المالي وتعزيز قدرته على محاربة التضخم وتقليل الاعتماد على النقد. كما يمثل جسراً لعودة سوريا إلى الاقتصاد الرقمي العالمي، ويوفر أدوات عملية للنمو والاستقرار خلال السنوات المقبلة.
إذا تم تنفيذ خارطة الطريق بكفاءة وتنسيق مع مؤسسات التمويل الدولية، فإن سوريا قد تشهد تحولاً تدريجياً نحو نظام مالي أكثر انفتاحاً وشفافية، قادر على دعم التعافي الاقتصادي وبناء بيئة استثمارية أكثر ثباتاً.

