شهد اليوم الثاني من معرضي يومكس وسيمتكس 2026 في أبوظبي زخماً اقتصادياً لافتاً مع إعلان مجلس التوازن للتمكين الدفاعي توقيع أربع صفقات لصالح وزارة الدفاع الإماراتية بقيمة إجمالية تقارب 1.48 مليار درهم، وهو رقم يقترب من 1.5 مليار درهم الذي ورد في بعض العناوين الإعلامية. ومع إضافة صفقات اليوم الأول، ارتفع إجمالي التعاقدات خلال اليومين الأولين إلى ثماني صفقات بقيمة 2.36 مليار درهم، ما يعكس ديناميكية متسارعة في سوق الصناعات الدفاعية والتقنيات المتقدمة داخل الدولة.
هذه الأرقام لا يمكن قراءتها كإنفاق عسكري تقليدي فقط، بل كجزء من نموذج اقتصادي متكامل تتبناه الإمارات يقوم على توظيف المشتريات الدفاعية كأداة استراتيجية لبناء صناعة محلية عالية القيمة. ففي الاقتصادات الحديثة، تعتبر الصفقات الدفاعية من أسرع المسارات لخلق فرص نقل المعرفة، وتعزيز المحتوى المحلي، وبناء شركات وطنية قادرة على المنافسة في الأسواق الإقليمية والعالمية، خصوصاً عندما تكون العقود مرتبطة ببنود تطوير أو تصنيع أو تكييف محلي.
ويمكن القول إن صفقات اليوم الثاني حملت رسالة واضحة بأن التمكين الدفاعي أصبح مرتبطاً بشكل وثيق بمفهوم التمكين الصناعي، حيث ركزت ثلاثة عقود من أصل أربعة على التعاون مع مجموعة إيدج، وهي المنصة الوطنية الأبرز للصناعات الدفاعية في الإمارات. هذا التركيز لا يعكس فقط الثقة بالمورد المحلي، بل يعكس أيضاً اتجاهاً اقتصادياً نحو إعادة تدوير جزء كبير من الإنفاق داخل النظام البيئي الوطني بدلاً من الاعتماد الكامل على الاستيراد.
وتفصيلياً، شملت الصفقات الثلاث الأولى مع مجموعة إيدج تطوير آلية نمر المسيرة بقيمة 10.56 مليون درهم، وتطوير طائرات مسيرة من طراز QX بقيمة 45.14 مليون درهم، إضافة إلى صفقة شراء طائرات ANAVIA HT-750 بقيمة 1.40 مليار درهم، والتي تشكل وحدها غالبية قيمة تعاقدات اليوم الثاني. أما الصفقة الرابعة فجاءت مع شركة حبارى للدفاع والأمن لتوريد عربات التحكم عن بعد الخاصة بعمليات تفكيك المتفجرات EOD بقيمة 28 مليون درهم، وهو قطاع يرتبط مباشرة بالأمن الميداني وحماية الأفراد ورفع جاهزية القوات.
اقتصادياً، تعكس هذه الصفقات عدة مؤشرات مهمة في مسار الصناعة الدفاعية الإماراتية. أولاً، استمرار انتقال الصناعة من مرحلة الاستحواذ والشراء إلى مرحلة التطوير والتكييف المحلي. فعندما تتضمن العقود بنوداً لتطوير منصات غير مأهولة أو آليات مسيرة، فهذا يعني أن القيمة المضافة لا تقتصر على المنتج النهائي، بل تمتد إلى البحث والتطوير والهندسة والتجارب الميدانية ورفع الكفاءة التشغيلية، وهي حلقات داخلية تصنع اقتصاداً معرفياً فعلياً.
ثانياً، يبرز القطاع غير المأهول باعتباره أحد أكثر القطاعات نمواً في العالم، بسبب استخداماته العسكرية والأمنية والاستخباراتية، إضافة إلى أثره الكبير في تقليل المخاطر البشرية وتوسيع نطاق الرصد والعمليات. دخول الإمارات بقوة في هذا المسار عبر تطوير منصات مسيرة وطائرات غير مأهولة ليس قراراً تقنياً فقط، بل استثمار طويل الأجل في قطاع مرشح للاستمرار لسنوات كأحد أعمدة الإنفاق الدفاعي عالمياً.
ثالثاً، تتجلى في صفقات اليوم الثاني فكرة نقل التكنولوجيا بشكل عملي لا نظري، حيث إن التعاون مع إيدج في تطوير المنصات يدعم تدريب الكوادر وبناء الخبرات الهندسية وتعزيز القدرة على صيانة الأنظمة وتحديثها محلياً. وهذا التحول له أثر اقتصادي مباشر يتمثل في تقليل الاعتماد على عقود الدعم الخارجي مكلفة الثمن، ورفع كفاءة دورة حياة المنتج داخل الدولة.
أما على مستوى الصورة الكلية للمعرضين، فإن تزامن هذه الصفقات مع انعقاد يومكس وسيمتكس في مركز أدنيك أبوظبي خلال الفترة من 20 إلى 22 يناير يعكس أهمية أبوظبي كمركز إقليمي لصناعة الدفاع. فهذه المعارض لم تعد تقتصر على كونها منصات عرض، بل تحولت إلى سوق تفاوضي فعلي يتم خلاله إعلان صفقات كبيرة في أيام معدودة، بما يشبه ما يحدث في أكبر المعارض العالمية المتخصصة.
ولعل الجانب الأكثر أهمية في قراءة هذه الصفقات هو أنها تعبر عن فلسفة اقتصادية تقوم على توطين الصناعات ذات الحساسية العالية والتي تعتمد على التقنيات المتقدمة. فالدولة التي تمتلك القدرة على تطوير أو تصنيع جزء من هذه الأنظمة تمتلك أيضاً القدرة على بناء صناعات رديفة في الذكاء الاصطناعي، والاتصالات المشفرة، والطيران الخفيف، والمستشعرات، والمواد المتقدمة، وهي قطاعات تتجاوز المجال العسكري وتمتد إلى الاقتصاد المدني عالي التقنية.
وبالنظر إلى ما تحقق في اليومين الأولين بقيمة 2.36 مليار درهم، يصبح من المنطقي توقع ارتفاع إجمالي الصفقات مع إعلان تعاقدات إضافية في اليوم الثالث، وهو سيناريو شائع في المعارض الدفاعية الكبرى حيث تتوزع الإعلانات تدريجياً لتحقيق أثر إعلامي واقتصادي ممتد طوال أيام الحدث. وفي كل الأحوال، فإن الرسالة الأساسية ثابتة الإمارات لا تنظر إلى الصناعات الدفاعية بوصفها كلفة، بل بوصفها استثماراً وطنياً طويل الأجل في الاقتصاد المعرفي والسيادة التقنية وبناء سلاسل قيمة محلية قادرة على المنافسة.
بهذا المعنى، فإن صفقات اليوم الثاني ليست مجرد عقود مشتريات، بل جزء من مسار أوسع لإعادة تشكيل قطاع دفاعي محلي متقدم، وتحويل الإنفاق الدفاعي إلى محرّك للتصنيع والتطوير ونقل التكنولوجيا، بما يرسّخ نموذج الإمارات في بناء اقتصاد حديث يستند إلى الابتكار والتقنيات المتقدمة.

