تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحوّلًا عميقًا في سوق السلع الاستهلاكية سريعة الدوران (FMCG)، تقوده كل من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، مع توقعات بوصول قيمة السوق إلى نحو 650 مليار دولار بحلول عام 2030. هذا النمو لا يعكس مجرد زيادة في الطلب، بل يشير إلى تغيّر هيكلي في سلوك المستهلك، وقنوات البيع، ونماذج الأعمال.
تقدر قيمة سوق السلع الاستهلاكية المعبأة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بأكثر من 450 مليار دولار في 2024، موزعة بين نحو 200 مليار دولار للأغذية والمشروبات، و250 مليار دولار للفئات غير الغذائية. وتشير التقديرات إلى نمو السوق بمعدل سنوي يقارب 5% خلال السنوات المقبلة، مدفوعًا بالنمو السكاني، وارتفاع الدخل، واستمرار قوة الاستهلاك في الاقتصادات الرئيسية.
الإمارات والسعودية: محركات النمو
تلعب الإمارات والسعودية الدور الأبرز في هذا التوسع.
-
في الإمارات، سجلت أحجام مبيعات السلع الاستهلاكية نموًا بنحو 6%، وهي نسبة تفوق بكثير المتوسط العالمي البالغ حوالي 1.7%.
-
أما السعودية، فحققت نموًا حجميًا يقارب 4%، إلى جانب نمو قوي في القيمة، ما يجعل البلدين معًا المحرك الأساسي لسوق السلع الاستهلاكية في المنطقة.
هذا الأداء يعكس متانة الطلب المحلي، وسرعة تبني التقنيات الحديثة، وتطور البنية التحتية للتجزئة والخدمات اللوجستية.
التجارة الإلكترونية… لاعب حاسم
أحد أبرز محركات النمو يتمثل في التجارة الإلكترونية، التي تعيد رسم خريطة البيع بالتجزئة في المنطقة.
-
على مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، من المتوقع أن ترتفع حصة التجارة الإلكترونية من نحو 9% من مبيعات التجزئة في 2024 إلى 16% بحلول 2030.
-
في الإمارات، تبلغ حصة التجارة الإلكترونية حاليًا بين 12% و14%، مع توقعات بارتفاعها إلى 20–25% بحلول 2030، واستحواذها على 60% من النمو الإضافي في السوق.
-
في السعودية، قد تصل حصة التجارة الإلكترونية إلى 46% من قطاع التجزئة بحلول 2030، مدفوعة بانتشار الهواتف الذكية، والدفع الرقمي، والدعم المؤسسي ضمن رؤية 2030.
هذا التحول يجعل القنوات الرقمية عاملًا حاسمًا في نمو سوق الـFMCG، خصوصًا في فئات الغذاء والمشروبات، والبقالة السريعة، والمنتجات غير الغذائية.
ورغم استمرار الإنفاق، تشير التقارير إلى أن معنويات المستهلكين في المنطقة باتت أكثر حذرًا وانتقائية. المستهلك اليوم لا يشتري السعر فقط، بل القيمة والهوية. أكثر من نصف المستهلكين في المنطقة أشاروا إلى أنهم قاطعوا علامات تجارية لا تتوافق مع قيمهم، ما يفرض على الشركات إعادة التفكير في الرسائل التسويقية، والاستدامة، والمسؤولية الاجتماعية.
ماذا يعني ذلك للشركات؟
النمو المتوقع لا يعني تلقائيًا أرباحًا مضمونة. الشركات التي ستنجح هي تلك القادرة على:
- تبنّي نماذج أومني-تشانل (Omnichannel) تدمج بين المتاجر التقليدية والمنصات الرقمية.
- الاستثمار في الابتكار، سواء في المنتجات أو تجربة العميل أو التسعير.
- فهم السوق المحلي بدقة، خصوصًا في الإمارات والسعودية حيث المنافسة شديدة والمستهلك متطلب.
تشير التقديرات إلى أن ما يصل إلى 80% من النمو المستقبلي في بعض الأسواق المتقدمة، مثل الإمارات، سيأتي من توسيع المحافظ الحالية وتحسين القيمة، وليس فقط من التوسع الجغرافي.
أخيراً, سوق السلع الاستهلاكية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يدخل مرحلة جديدة، تقودها الإمارات والسعودية، وتغذيها التجارة الإلكترونية والتحول الرقمي. ومع اقتراب السوق من 650 مليار دولار بحلول 2030، فإن الفرص كبيرة، لكن المنافسة أكبر. الرابحون سيكونون من يفهمون المستهلك الجديد، ويتحركون بسرعة، ويحوّلون البيانات والتقنية إلى قرارات تجارية ذكية.

