أعلن الاتحاد الأوروبي تخصيص 620 مليون يورو لدعم سوريا خلال عامي 2026 و2027، في خطوة تعكس تحوّلاً لافتاً في المقاربة الأوروبية للملف السوري، عبر الانتقال من منطق “العزلة والضغط” إلى منطق “الاحتواء والدعم المشروط”، ضمن حزمة تستهدف المساعدات الإنسانية والتعافي الاجتماعي والاقتصادي.
ورغم أن الرقم يبدو محدوداً مقارنة بحجم الدمار الاقتصادي الذي تراكم عبر سنوات الحرب، إلا أن قراءة الدعم الأوروبي لا يجب أن تكون مالية فقط، بل سياسية-اقتصادية في الوقت نفسه، خصوصاً أنه جاء متزامناً مع إشارات أوروبية واضحة حول فتح فصل جديد من العلاقات الثنائية وبدء محادثات لإحياء اتفاق تعاون مع سوريا، إلى جانب إطلاق “شراكة سياسية جديدة” تشمل لقاءات رفيعة المستوى خلال النصف الأول من 2026.
ما الذي يمكن أن تفعله 620 مليون يورو؟
اقتصادياً، لا يمكن لحزمة بهذا الحجم أن تغيّر مسار الاقتصاد السوري جذرياً، لكنها قد تنتج أثراً ملموساً إذا وُجّهت إلى أولويات “التعافي المبكر” مثل:
- دعم الخدمات الأساسية (الصحة، المياه، التعليم والطاقة)
- تمويل مشاريع مجتمعية وخدمات محلية
- تحريك فرص العمل عبر برامج سبل العيش
- دعم المؤسسات العامة بخبرات فنية وتخطيطية
وبحسب ما ورد، فإن جزءاً مهماً من التوجه الأوروبي يتمحور حول دعم قطاعات محددة مثل الطاقة، التعليم، الصحة، الزراعة وتنشيط الاقتصادات الريفية والحضرية.
لماذا الآن؟
توقيت الخطوة يشير إلى أن الاتحاد الأوروبي لا يسعى فقط لإغاثة سوريا، بل يريد كذلك معالجة تداعيات الأزمة على أوروبا نفسها، وفي مقدمتها:
- ملف الهجرة واللاجئين
- الحد من تهريب البشر والاقتصادات غير النظامية
- دعم الاستقرار الإقليمي وتقليل احتمالات عودة التوترات
بمعنى آخر, الدعم هو استثمار استباقي لتقليل كلفة عدم الاستقرار مستقبلاً، وليس مجرد “مساعدة إنسانية” بمفهومها التقليدي.
الرسالة أهم من الرقم
الأهم في هذه الحزمة أنها تحمل مؤشراً سياسياً, أوروبا تريد أن تبقى لاعباً حاضراً داخل سوريا، عبر أدوات التمويل والشراكات بدل القطيعة. وهو ما يظهر أيضاً ضمن سياق أوسع للتعهدات الأوروبية والدولية السابقة لدعم سوريا وجوارها، والتي بلغت في مؤتمر بروكسل للمانحين 5.8 مليارات يورو حسب رويترز.
يمكن اعتبار 620 مليون يورو بداية لمسار جديد عنوانه “شراكة مشروطة”، لا “إعادة إعمار شاملة”. فالتعافي الحقيقي يحتاج إلى إصلاحات اقتصادية ومالية، واستقرار سياسي وأمني، وبيئة استثمارية تضمن تدفق الأموال بعيداً عن الفساد.
لكن في جميع الأحوال، فإن هذا الدعم يُعدّ خطوة تحمل دلالة كبرى: الاتحاد الأوروبي يعيد بناء نفوذه في سوريا بالأدوات الاقتصادية، ويضع تمويل التعافي كأول حجر في إعادة ترتيب العلاقة بين دمشق وبروكسل.

