بعد أشهر من الركود الصيفي، عاد الذهب بقوة ليسجل مستويات قياسية جديدة، مدفوعًا بمزيج من السياسات النقدية المتساهلة والتوترات السياسية في الولايات المتحدة. في الأسبوع الماضي، ارتفعت العقود الآجلة للذهب بنسبة 3.39%، فيما صعدت السبائك بـ 2.34%، لينهي المعدن الأصفر تداولات الجمعة عند 3,530.7 دولار للعقود و3,448 دولار للسبائك.
هذا الارتفاع لا يُعتبر مجرد حركة فنية عابرة، بل يحمل في طياته رسائل اقتصادية وسياسية قد تعيد رسم ملامح أسواق المال العالمية.
دور الفيدرالي والسياسة النقدية
تغيّر خطاب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، في ندوة جاكسون هول، حيث أظهر مرونة أكبر تجاه تباطؤ الاقتصاد وسوق العمل، على حساب التركيز التقليدي على كبح التضخم.
هذا التحوّل فتح الباب واسعًا أمام الأسواق لتسعير خفض للفائدة في اجتماع سبتمبر المقبل بنسبة شبه مؤكدة (0.25%)، بل وحتى احتمالية خفض 0.50% إذا جاءت بيانات التوظيف ضعيفة.
خفض الفائدة يعني تراجع العوائد الحقيقية على السندات الأمريكية، وهو ما يرفع جاذبية الذهب كأصل بديل يحافظ على القيمة.
التضخم والركود التضخمي
رغم بقاء مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي (PCE) عند 2.9% على أساس سنوي، فإن المستثمرين ينظرون إلى الصورة الكاملة: تباطؤ اقتصادي + تضخم مستمر = بيئة مثالية للذهب. تاريخيًا، في كل مرة يظهر فيها خطر الركود التضخمي، كان الذهب المستفيد الأول باعتباره مخزنًا للقيمة.
السياسة.. نار تحت الرماد
لا يقف الذهب عند حدود الأرقام الاقتصادية فحسب، بل يجد دعمه أيضًا من السياسة الأمريكية. صراع الرئيس دونالد ترامب مع الفيدرالي، ومحاولاته عزل أعضاء من اللجنة النقدية، أضعف الثقة في استقلالية البنك المركزي. هذه الأحداث أعادت طرح سؤال جوهري: هل يظل الدولار العملة الاحتياطية الأولى للعالم؟
كلما تزعزعت الثقة في الدولار، ارتفع بريق الذهب كمعدن نقدي عالمي.
التوقعات المستقبلية
- قصير الأجل: إذا جاءت بيانات الوظائف ضعيفة، قد نرى الذهب يثبت فوق 3,500 دولار ويتجه نحو 3,600 – 3,650.
- متوسط الأجل: استمرار الفيدرالي في التيسير وضعف الدولار قد يدفع الذهب إلى مستويات 3,800 – 4,000 دولار للأوقية.
- طويل الأجل: في ظل التوترات الجيوسياسية وصراع الدولار مع بدائل نقدية (مثل اليوان والذهب الرقمي عبر البنوك المركزية)، فإن الذهب مرشح لدخول موجة صعود تاريخية جديدة.
الذهب اليوم لم يعد مجرد ملاذ آمن مؤقت، بل أصبح جزءًا أساسيًا من استراتيجية المستثمرين العالمية.
ومع مزيج من التيسير النقدي، التوترات السياسية، وضعف الدولار، فإن المعدن الأصفر قد يكون في بداية رحلة جديدة نحو قمم تاريخية لم تُسجل من قبل.

