شهدت المالية العامة السعودية خلال عام 2025 تحولاً لافتاً مع تسجيل عجز قياسي بلغ نحو 276.6 مليار ريال، وهو مستوى يعكس توازناً دقيقاً بين طموح تسريع التحول الاقتصادي ضمن رؤية 2030 وبين واقع الإيرادات النفطية التي جاءت أقل من التقديرات الأولية. وبينما تشير الأرقام إلى ضغوط واضحة على الميزانية، فإن قراءة أعمق تكشف أن العجز لم يكن نتيجة ضعف اقتصادي بقدر ما كان انعكاساً لنهج مالي توسعي يهدف إلى دعم النمو طويل الأجل.
فجوة بين الإيرادات والإنفاق
بلغ إجمالي الإيرادات في 2025 نحو 1.11 تريليون ريال مقابل إنفاق فعلي يقارب 1.39 تريليون ريال، ما أدى إلى عجز يوازي نحو 5.5–6٪ من الناتج المحلي الإجمالي. هذا المستوى يمثل اتساعاً كبيراً مقارنة بالتقديرات الأولية التي أشارت إلى عجز يقارب 101 مليار ريال فقط، قبل أن تُرفع التوقعات إلى 245 مليار، وصولاً إلى الرقم النهائي الذي اقترب من 277 مليار ريال.
ويبرز الربع الرابع تحديداً كعامل حاسم، إذ سجّل وحده عجزاً يقارب 95 مليار ريال، وهو أكبر عجز فصلي منذ عام 2020، ما يشير إلى أن جزءاً كبيراً من التوسع في الإنفاق جاء في نهاية العام مع تسارع تنفيذ المشاريع الحكومية الكبرى.
محرك رئيسي للعجز
العامل الأكثر تأثيراً في اتساع العجز كان الارتفاع الملحوظ في الإنفاق الفعلي، الذي تجاوز المخطط بنحو 8٪ وفق تقديرات تحليلية مستقلة. الجزء الأكبر من الزيادة جاء من بند «السلع والخدمات»، وهو ما يعكس عقوداً ومشتريات مرتبطة بالبنية التحتية والمشاريع العملاقة.
هذا التوسع يرتبط مباشرة بتسريع تنفيذ مشاريع رؤية 2030، خصوصاً «الجيغا بروجيكتس» والاستثمارات المرتبطة بالتحول الاقتصادي. وبالنظر إلى حجم هذه المشاريع، يصبح تجاوز الإنفاق المخطط أمراً متوقعاً نسبياً في مرحلة بناء الأصول الاقتصادية الجديدة، لكنه في الوقت ذاته يرفع مستوى الضغوط على الميزانية قصيرة الأجل.
سياسة مالية توسعية لدعم الاقتصاد غير النفطي
خلال 2024 و2025، تبنّت السعودية سياسة مالية تميل بوضوح إلى دعم النمو، حتى مع إدراك أن العجز سيتجاوز المستهدفات. هذا التوجه يتماشى مع تقييمات صندوق النقد الدولي التي ترى أن العجز، رغم تضاعفه مقارنة بالهدف الأصلي، يبقى «مناسباً» لدعم النشاط الاقتصادي غير النفطي وتسريع التنويع.
بمعنى آخر، اختارت الحكومة الحفاظ على زخم الاستثمار بدلاً من فرض تقشف سريع قد يبطئ وتيرة التحول الاقتصادي. ويعزز هذا الخيار وجود مساحة مالية نسبية، إذ تبقى نسبة الدين إلى الناتج أقل من مستويات العديد من الاقتصادات الكبرى.
النفط وأسعار التعادل المالي
رغم أن أسعار النفط في 2025 لم تشهد انهياراً حاداً، إلا أنها بقيت دون مستويات الذروة التي سجلتها في 2022، ما قلّص هامش الراحة المالية. ومع استمرار الإنفاق المرتفع، ارتفع ما يُعرف بسعر التعادل المالي للنفط، وهو السعر الذي تحتاجه الميزانية لتحقيق التوازن.
هذا الوضع يبرز حساسية المالية العامة لمزيج من عاملين: مستوى أسعار النفط من جهة، وسرعة نمو الإنفاق من جهة أخرى. فحتى مع تحسن الإيرادات غير النفطية، تبقى الميزانية مرتبطة بدرجة كبيرة بدورة الطاقة العالمية.
تجاوز الإنفاق المخطط
اللافت أن تجاوز الإنفاق للتقديرات لم يكن حدثاً استثنائياً في 2025، بل يأتي ضمن نمط متكرر خلال السنوات الأخيرة، حيث تشير تحليلات إلى متوسط تجاوز يتجاوز 10٪ خلال أربع سنوات.
هذا النمط يعكس تحديات التخطيط في اقتصاد يخوض تحولاً هيكلياً واسعاً، إذ يصعب ضبط وتيرة الإنفاق في ظل توسع المشاريع وتعدد الجهات المنفذة. كما أنه يزيد من فجوة عدم اليقين بين ما يُعلن في بداية العام وما يتحقق فعلياً عند نهاية السنة المالية.
الإيرادات غير النفطية: تقدم قوي لكن غير كافٍ
على الجانب الإيجابي، سجّلت الإيرادات غير النفطية قفزة تاريخية لتصل إلى نحو 505 مليارات ريال، أي ما يقارب نصف إجمالي الإيرادات. وقد جاء هذا الأداء مدعوماً بضريبة القيمة المضافة، والرسوم المختلفة، وعوائد الاستثمارات الحكومية.
إلا أن هذا النمو، رغم أهميته في مسار التنويع الاقتصادي، لم يكن كافياً لتعويض فجوة الإنفاق المرتفع من دون الاعتماد على النفط. وهذا يؤكد أن التحول نحو اقتصاد أقل اعتماداً على الطاقة ما يزال في مرحلة انتقالية تتطلب وقتاً أطول للوصول إلى توازن مالي مستدام.
هل العجز مقلق؟
من زاوية اقتصادية، لا يبدو العجز الحالي خارج نطاق السيطرة، إذ يمكن تمويله عبر الاقتراض والسحب المحدود من الاحتياطيات، مع بقاء مستويات الدين العام ضمن نطاق منخفض نسبياً عالمياً.
ويرى صندوق النقد الدولي أن السياسة المالية التوسعية في 2025 تتماشى مع هدف تسريع التحول الاقتصادي، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى الحاجة لمسار ضبط تدريجي خلال السنوات المقبلة، بهدف خفض العجز إلى نحو 3٪ من الناتج على المدى المتوسط.
قراءة الأسواق
بالنسبة للأسواق والمستثمرين، لا تكمن أهمية أرقام العجز في حجمها فقط، بل في الرسالة التي تحملها: السعودية تضع أولوية واضحة للاستثمار والنمو حتى لو ارتفع العجز مؤقتاً. هذا النهج قد يدعم قطاعات البنية التحتية، السياحة، والعقارات، لكنه في المقابل يجعل السياسة المالية أكثر حساسية لتقلبات النفط.
السؤال المحوري خلال 2026–2027 سيكون حول قدرة الحكومة على إعادة ضبط وتيرة الإنفاق دون إبطاء النمو غير النفطي. فإذا نجحت الإيرادات غير النفطية في مواصلة الارتفاع بالتوازي مع ترتيب أولويات المشاريع، فقد يتحول العجز الحالي من مصدر قلق إلى مرحلة انتقالية طبيعية في مسار إعادة تشكيل الاقتصاد.
الخلاصة, يعكس العجز القياسي لعام 2025 مزيجاً من الطموح الاقتصادي والتحديات الواقعية. فبينما يضغط توسع الإنفاق وتسارع المشاريع على الميزانية، تظهر الإيرادات غير النفطية تقدماً ملموساً يؤكد أن التحول الاقتصادي يسير في الاتجاه الصحيح، وإن كان بوتيرة تتطلب صبراً مالياً.
في النهاية، لا يبدو العجز مجرد رقم سلبي بقدر ما يمثل تكلفة انتقال نحو نموذج اقتصادي جديد؛ نموذج يحاول تقليل الاعتماد على النفط تدريجياً، حتى وإن بقيت دورة الطاقة عاملاً حاسماً في تحديد إيقاع المالية العامة خلال السنوات المقبلة.

