في الربع الثالث من عام 2025، سجّل متوسط العائد الإيجاري الإجمالي في تركيا 7.76%، مرتفعًا عن مستوى 7.41% في الربع الأول. هذا التطور يعكس ديناميكية سوق العقار التركي الذي يتأثر بعوامل مركبة؛ من التضخم إلى تذبذب الأسعار، ومن الطلب المحلي المتزايد إلى إقبال المستثمرين الأجانب الباحثين عن دخل ثابت في بيئة متقلبة.
في إسطنبول، بلغ متوسط العائد 8.15%، وهو معدل جذاب مقارنة بالعواصم الإقليمية. غير أنّ الأحياء تكشف تباينًا صارخًا:
- المناطق المركزية مثل ساريير وكاديكوي تسجّل عوائد منخفضة (4–5%) بسبب ارتفاع أسعار الشراء بشكل يفوق نمو الإيجارات.
- في المقابل، الضواحي النامية مثل بيليك دوزو وكوتشوك شكمجة تحقق عوائد تتجاوز 9–13%، ما يجعلها وجهة للمستثمرين الذين يفضلون العائد الدوري على حساب القيمة الرمزية للموقع.
هذا التباين يعكس معادلة مألوفة في الأسواق العقارية العالمية: المناطق الباهظة تمنح الأمان ورأس المال، بينما الأحياء الشعبية أو المتوسطة تمنح الدخل الدوري المرتفع.
أنقرة: العاصمة الأكثر اتزانًا
العاصمة التركية أظهرت معدل عائد إجمالي عند 8.67%، لتتفوق على إسطنبول من حيث الاستقرار النسبي. مناطق مثل ألتنداغ ومامات وصلت إلى مستويات قريبة من 10%، بفضل أسعار معقولة نسبيًا وتزايد الطلب على السكن الطلابي والموظفين. يمكن القول إن أنقرة باتت تمثل “الخيار الآمن” للمستثمر الذي يبحث عن مزيج من استقرار رأس المال وعائد جيد.
أنطاليا: السياحة تحكم السوق
في أنطاليا، المشهد مختلف. متوسط العائد لا يتجاوز 6.28%، مع انخفاض كبير في مناطق مثل ألانيا (3–5%). السبب يعود إلى اعتماد السوق على السياحة الموسمية، ما يرفع الأسعار ويحدّ من استقرار العوائد. ورغم أن بعض الأحياء مثل كيبيز وكونيالتي تقترب من 7–8%، يبقى السوق عرضة للتقلبات أكثر من أنقرة أو إسطنبول.
إزمير سجلت متوسط عائد 7.38%، مع مفاجآت لافتة مثل منطقة كوناك التي حققت 13.45% في الشقق الصغيرة. هذا يعكس فجوة بين أسعار الشراء والإيجار، خاصة في الأحياء القديمة حيث لا تزال الأسعار دون المستوى مقارنة بالإيجارات المرتفعة. إزمير بذلك تقدم “فرصًا انتقائية” أكثر من كونها سوقًا متجانسًا.
مدن الأناضول: عوائد أعلى وأسعار أدنى
ارتباط العوائد بالأسعار والتضخم
وفقًا لبيانات البنك المركزي التركي (CBRT)، فإن أسعار المنازل واصلت صعودها الاسمي خلال 2025، حيث سجّل مؤشر أسعار العقارات السكنية ارتفاعًا سنويًا بنسبة 32.8% في يوليو، لكن بعد احتساب التضخم تراجعت فعليًا بنسبة 0.5%. وفي المدن الكبرى، ارتفعت الأسعار الاسمية بنسبة 42.9% في أنقرة، و33.5% في إسطنبول، و31% في إزمير، ما يعكس استمرار الضغوط التضخمية على القطاع.
كما أوضح تقرير صادر عن Yekta Homes أن الأسعار في فبراير 2025 ارتفعت بنسبة 31.3% على أساس سنوي، بينما التضخم بلغ 39.05% في نفس الفترة، وهو ما يعني أن القيمة الحقيقية للعقارات انخفضت بنسبة 5.6%.
وفي السياق نفسه، أشارت وكالة رويترز إلى أن التضخم السنوي في تركيا سجّل 35.41% في مايو 2025، مع ارتفاع تكاليف السكن كأحد أبرز محركات التضخم. وحتى يوليو، ورغم بعض التراجع النسبي، استمرت الأسعار الشهرية للسكن بالارتفاع بنسبة 5.78%.
أما تقرير Modern Diplomacy فقد أكد أن أسعار العقارات، عند تعديلها بالتضخم، تراجعت بنسبة 7.16% حتى يناير 2025، وهو ما يفسر كيف تبدو العوائد الإيجارية مرتفعة (7–9% في معظم المدن) بينما القيمة الحقيقية للأصول ما زالت تتآكل تحت ضغط الليرة المتراجعة والتضخم المرتفع.
تركيا اليوم تقدم لوحة معقدة للمستثمر العقاري. إسطنبول تمنح التنوع والتباين الحاد بين الأحياء، أنقرة تقدم الاستقرار والعائد المعقول، فيما أنطاليا تخضع لدورات السياحة. إزمير تكشف عن فرص مضاربية في بعض أحيائها، أما مدن الأناضول فتعرض عوائد مرتفعة بأسعار دخول منخفضة. لكن التحدي الأكبر يبقى في قراءة تأثير التضخم وأسعار الصرف، حيث قد يضيع العائد المحقق بالدولار إذا تراجعت العملة أكثر.
السؤال إذًا لم يعد: “أين العائد الأعلى؟” بل: “أين التوازن بين العائد والاستقرار وحماية رأس المال؟”
مصادر: TCMB, Modern Diplomacy, Yekta Homes

