تشهد سوريا اليوم أزمة نقدية خانقة انعكست بشكل مباشر على سعر صرف الليرة، حيث تجاوز الدولار الأمريكي 10,000 ليرة سورية في السوق السوداء. في ظل هذا التدهور المستمر، أعلنت السلطات عن خطة لحذف صفرين من العملة ابتداءً من ديسمبر 2025، أي أن الدولار سيصبح بحدود 100 ليرة جديدة بدلاً من 10,000 ليرة حالياً. لكن السؤال الجوهري: هل هذه الخطوة واقعية وصحية في ظل الظروف الاقتصادية الحالية؟
حذف الأصفار من العملة هو إجراء نقدي تتبعه بعض الدول لمواجهة التضخم المفرط أو تبسيط المعاملات.
- قبل الإصلاح: 1 دولار = 10,000 ليرة سورية
- بعد الإصلاح: 1 دولار = 100 ليرة جديدة
من الناحية الحسابية، لا يتغير شيء في القوة الشرائية, فالمئة ليرة الجديدة تساوي 10,000 ليرة القديمة. الهدف الأساسي إذن هو التخفيف من الأعباء المحاسبية والنفسية الناتجة عن الأرقام الضخمة.
الأبعاد الاقتصادية المحتملة
الإيجابيات
يُتوقع أن يسهم حذف صفرين من الليرة السورية في تسهيل التعاملات اليومية، إذ لن يضطر المواطن بعد اليوم إلى حمل ملايين الليرات لإنجاز أبسط المعاملات، ما يمنح حياة الناس قدراً من السلاسة في البيع والشراء. كما أن لهذه الخطوة أثراً نفسياً مؤقتاً، فقد تُعطي الانطباع بعودة نوع من الاستقرار النقدي، وهو ما قد ينعكس إيجاباً على ثقة الشارع بالعملة الوطنية ولو بشكل محدود.
إلى جانب ذلك، فإن المؤسسات المالية والمحاسبية ستجد فائدة مباشرة، إذ ستتعامل الشركات والبنوك والجهات الحكومية مع أرقام أصغر وأكثر وضوحاً، الأمر الذي يسهل عمليات المحاسبة والتوثيق.
السلبيات والتحديات
مع ذلك، فإن هذه الخطوة تواجه عقبات جوهرية، أهمها غياب الأساس الاقتصادي الحقيقي، فمجرد حذف الأصفار من دون إصلاحات إنتاجية ومالية عميقة سيجعل الإجراء شكلياً لا أكثر. كما أن العملية تترتب عليها تكاليف باهظة لطباعة العملة الجديدة وتبديلها، وهو أمر يثقل كاهل اقتصاد يعاني أصلاً من عجز هائل.
إضافة إلى ذلك، يبرز خطر الارتباك الشعبي ففي ظل ضعف التوعية، قد يساء فهم الأسعار والرواتب، ما يفتح الباب أمام تضخم إضافي أو استغلال من بعض التجار. وأخيراً، تبقى مشكلة انعدام الثقة، إذ إن المواطن الذي فقد ثقته بالليرة خلال السنوات الماضية لن يستعيدها بمجرد تغيير شكلها أو حذف أصفارها، ما يجعل نجاح التجربة رهن إصلاحات أعمق بكثير من مجرد إعادة التسمية.
تجارب دولية مشابهة
- تركيا (2005): حذفت 6 أصفار من الليرة ونجحت نسبياً بسبب إصلاحات اقتصادية موازية ودعم من صندوق النقد الدولي.
- زيمبابوي (2008): حذفت 10 أصفار، لكن التضخم استمر لأن الاقتصاد لم يُعالج من جذوره.
المعادلة واضحة: حذف الأصفار قد ينجح إذا ترافق مع إصلاحات اقتصادية هيكلية، لكنه يتحول إلى مجرد عملية تجميل إذا ظل معزولاً عن الإصلاح الشامل.
الوضع السوري: هل الخطوة منطقية؟
الاقتصاد السوري اليوم يعاني من تضخم مزمن وارتفاع أسعار السلع بشكل يومي بالأضافة إلى ضعف الإنتاج الصناعي والزراعي، واعتماد مفرط على الاستيراد. ويعاني أيضاً من شح في العملة الصعبة وتراجع التحويلات الخارجية وغياب بيئة استثمارية مستقرة.
في ظل هذه التحديات، فإن حذف صفرين من العملة لن يغير الواقع الاقتصادي المعيشي. قد يسهل الحسابات اليومية، لكنه لن يرفع القوة الشرائية ولن يوقف تآكل المدخرات.
حذف الأصفار من الليرة السورية خطوة محاسبية أكثر من كونها إصلاحاً اقتصادياً. فائدتها قد تقتصر على الجانب النفسي والتنظيمي، بينما تبقى معالجة التضخم واستقرار سعر الصرف رهناً بالإصلاحات الأعمق مثل دعم الإنتاج المحلي، فتح الاقتصاد للاستثمار، ضبط السياسات المالية، وإعادة الثقة بالقطاع المصرفي.

