استقرت أسعار النفط في التعاملات الآسيوية صباح اليوم الإثنين 12 يناير 2026 وسط توازن حساس بين عاملين متضادين, مخاوف اضطراب الإمدادات نتيجة تصاعد الاحتجاجات الدامية في إيران، مقابل توقعات بزيادة محتملة في المعروض من فنزويلا بعد إشارات أمريكية حول تخفيف القيود. وسجل خام برنت ارتفاعًا طفيفًا بنسبة 0.1% ليصل إلى 63.39 دولار للبرميل، بينما بلغ خام غرب تكساس الوسيط نحو 59.15 دولار للبرميل، في حركة تعكس أن السوق لا يتجه إلى موجة ذعر لكنه في الوقت ذاته لا يتجاهل احتمالات التصعيد.
الاحتجاجات في إيران تتصاعد بوتيرة مقلقة، مع تقارير تفيد بسقوط أكثر من 500 قتيل وفق جماعات حقوقية، ما يزيد من الضغط السياسي الداخلي ويثير قلق الأسواق من انعكاس ذلك على قطاع الطاقة. في العادة لا تتفاعل أسواق النفط مع العناوين السياسية وحدها، بل تراقب المؤشرات التي قد تنتج عنها أزمة إمدادات فعلية، مثل اضطرابات في الإنتاج أو تعطّل الموانئ أو تهديدات للملاحة البحرية.
إيران ليست مجرد دولة منتجة للنفط، بل تمثل متغيرًا جيوسياسيًا عالي التأثير لسببين أساسيين. الأول هو حجم إنتاجها الذي يقدر بحوالي 3.2 مليون برميل يوميًا، ما يجعل أي تعطّل مفاجئ في الإنتاج مؤثرًا على السوق فورًا. والثاني هو موقعها الجغرافي وارتباطها بمضيق هرمز الذي يعد شريانًا حيويًا للطاقة عالميًا. ومع تصاعد التوتر، عاد الحديث في الأسواق عن احتمالات تعطل التدفقات عبر المضيق، وهو ما يبقي علاوة المخاطر قائمة ويدفع المستثمرين إلى التحوط.
لكن في المقابل، جاءت فنزويلا لتشكل عنصر تهدئة يمنع الأسعار من الانطلاق بقوة. فقد أشارت الولايات المتحدة إلى رفع المزيد من القيود والعقوبات على قطاع النفط الفنزويلي، وهو ما قد يفتح الباب أمام زيادة الإنتاج والصادرات تدريجيًا. التقديرات تتحدث عن إمكانية بلوغ الإنتاج نحو 1.2 مليون برميل يوميًا بحلول نهاية 2026 إذا استمرت التسهيلات وبدأت الاستثمارات بالعودة. كما أن الحديث عن تسليم كميات كبيرة من النفط التي كانت خاضعة للعقوبات يضيف عامل ضغط إضافي، لأن السوق يرى أن أي زيادة مستقبلية في المعروض قادرة على امتصاص جزء من المخاوف الناجمة عن إيران.
هذا التوازن يفسر سبب ارتفاع الأسعار خلال الأسبوع الماضي بأكثر من 3% ثم عودتها للتماسك مع بداية الأسبوع الجديد. ففي الأسبوع السابق كانت المخاطر الجيوسياسية هي المحرك الأكبر، بينما ظهر اليوم عنصر جديد يحدّ من المكاسب وهو توقع ارتفاع العرض، ما يجعل السوق يتحرك ضمن نطاق ضيق بدل الدخول في موجة صعود حادة.
من منظور مستقبلي، تتحرك أسعار النفط حاليًا وفق سيناريوهات واضحة. السيناريو الأقرب هو الاستقرار داخل نطاق تداول إذا بقيت الاحتجاجات الإيرانية ضمن حدود السياسة الداخلية دون تعطيل فعلي لقطاع الطاقة أو الملاحة البحرية، بالتزامن مع استمرار التسهيلات المتعلقة بفنزويلا. أما سيناريو الصعود القوي فيتطلب تحول الأزمة الإيرانية إلى تهديد مباشر للإمدادات، مثل إضرابات نفطية أو اضطراب شحن أو تدخلات إقليمية. في حين أن السيناريو الهبوطي قد يتوسع إذا تحولت التوقعات الفنزويلية إلى واقع ملموس وبدأت السوق تسعّر احتمالات فائض المعروض خلال 2026، خصوصًا في حال تباطؤ الطلب العالمي.
الخلاصة أن سوق النفط يعيش مرحلة حساسة تشبه شدّ الحبل: إيران ترفع علاوة المخاطر، وفنزويلا تضغط عبر عامل زيادة العرض. لذلك لا يندفع النفط صعودًا بقوة ولا يهبط بسهولة، بل يبقى متماسكًا بانتظار عامل حاسم يؤكد الاتجاه القادم.

