ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بأكثر من 2% لتصل إلى نحو 62 دولارًا للبرميل، في تحرك يعكس عودة المخاطر الجيوسياسية إلى واجهة سوق الطاقة، وإحياء المخاوف المتعلقة بالإمدادات بعد فترة من الهدوء النسبي.
الشرارة الأبرز جاءت من التحركات الأمريكية الأخيرة، حيث قامت القوات الأمريكية بالصعود على متن ناقلة النفط Centuries التي كانت تحمل قرابة مليوني برميل من الخام الفنزويلي، إلى جانب ملاحقة سفينة أخرى. هذه الخطوة تؤكد إصرار واشنطن على تشديد الخناق على مصادر إيرادات حكومة نيكولاس مادورو، في إطار سياسة الضغط المستمر على فنزويلا.
ورغم أن فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، إلا أن صادراتها الحالية — والتي تتجه في معظمها إلى الصين — لا تمثل سوى أقل من 1% من الإمدادات العالمية. وهذا يعني أن الأثر المباشر على توازن العرض والطلب محدود، لكنه في المقابل يرفع ما يُعرف بـ«علاوة المخاطر» في أسعار النفط، حيث تتفاعل الأسواق سريعًا مع أي تهديد محتمل للإمدادات، حتى وإن كان تأثيره الفعلي ضعيفًا.
ولم تتوقف مصادر القلق عند هذا الحد. فقد شهد البحر المتوسط تطورًا لافتًا بعد تنفيذ أوكرانيا ضربة بطائرة مسيّرة استهدفت ناقلة نفط تابعة لما يُعرف بـ«الأسطول الروسي الظلّي»، وهو تطور جاء بعد سلسلة هجمات سابقة طالت بنية الطاقة الروسية. هذه العمليات تعزز المخاوف من توسع رقعة استهداف البنية التحتية للطاقة، وتزيد من هشاشة سلاسل الإمداد العالمية في ظل صراع لا يبدو قريبًا من نهايته.
ورغم هذا الدعم الجيوسياسي لأسعار النفط، فإن الصورة الأكبر لا تزال تميل إلى الضغوط السلبية. فالخام يتجه لتسجيل تراجع سنوي، مدفوعًا بتوقعات سوقية تشير إلى فائض في المعروض العالمي، في ظل تباطؤ نسبي في الطلب العالمي، وزيادة الإنتاج من خارج «أوبك+»، إضافة إلى سياسات نقدية متشددة ما زالت تلقي بظلالها على النمو الاقتصادي.
خلاصة المشهد أن أسعار النفط تتحرك اليوم بين قوتين متعارضتين: مخاطر جيوسياسية ترفع الأسعار على المدى القصير، وأساسيات سوقية تشير إلى وفرة في المعروض تضغط عليها على المدى المتوسط والطويل. وبين هذين العاملين، تبقى الأسواق في حالة ترقّب دائم، حيث يكفي حدث سياسي واحد لتغيير الاتجاه… ولو مؤقتًا.

