مع الانتشار المتسارع للتقنيات الرقمية في إدارة العقارات، باتت المباني الذكية أحد أبرز التحولات في المشهد العمراني العالمي. هذه المباني التي تعتمد على أنظمة رقمية لإدارة التهوية، الدخول، الإضاءة والتحكم البيئي، تهدف إلى تعزيز الكفاءة وتخفيض التكاليف وتحسين تجربة المستخدمين.
لكن، وكما هو الحال مع أي تحول تقني، ظهرت تحديات جديدة, أبرزها التهديدات السيبرانية.
تقرير حديث صادر عن المعهد الملكي للمساحين المعتمدين في بريطانيا (RICS) كشف أن أكثر من 25% من المباني الذكية في المملكة المتحدة تعرّضت لهجمات إلكترونية خلال الاثني عشر شهرًا الماضية. هذه النسبة الصادمة تؤكد أن التهديدات لم تعد نظرية أو محتملة، بل واقع قائم يهدد سلامة البنية التحتية الرقمية للعقارات.
طرق الاستهداف والمخاطر المحتملة
أشار التقرير إلى أن القراصنة يستهدفون بشكل أساسي أنظمة إدارة المباني، والتي تتضمن الأجهزة المرتبطة بالخدمات الأساسية مثل:
- أنظمة التحكم بالدخول (Access Control).
- أنظمة التهوية والتكييف (HVAC).
- أنظمة التحكم البيئي والطاقة.
هذه الأنظمة، إذا تم اختراقها، لا تشكل فقط خطرًا على راحة المستخدمين، بل قد تصبح بوابة خلفية تمنح المهاجمين إمكانية الوصول إلى شبكات أوسع تحتوي على بيانات حساسة للشركات والمستأجرين، بما في ذلك بيانات مالية وتجارية عالية الأهمية.
السيناريو الأسوأ الذي يحذر منه الخبراء هو أن يتحول المبنى الذكي نفسه إلى نقطة ضعف استراتيجية يمكن من خلالها تعطيل أنشطة اقتصادية كاملة أو التأثير على حياة المستخدمين بشكل مباشر.
مع تصاعد هذا الخطر، بدأت شركات التأمين في بريطانيا اتخاذ مواقف أكثر تشددًا. فقد أشار التقرير إلى أن بعض شركات التأمين ترفض دفع تعويضات عن الأضرار الناجمة عن هجمات إلكترونية مدعومة من دول أو جماعات منظمة، وهو ما يعكس إدراكها بأن هذه التهديدات أصبحت خارج نطاق السيطرة التقليدي.
هذا التوجه قد يرفع التكاليف التشغيلية على ملاك المباني والمطورين العقاريين، وقد يفرض على المستثمرين إعادة تقييم المخاطر المرتبطة بالمباني الذكية، خصوصًا في الأسواق التي لم تطور بعد بنية تحتية قوية للأمن السيبراني.
مقارنة مع أسواق أخرى: حالة دبي
إذا ما قورنت التجربة البريطانية مع أسواق متقدمة مثل دبي، يظهر الفرق بوضوح.
-
في دبي، وضعت السلطات منذ سنوات أطرًا صارمة للأمن السيبراني عبر مبادرات مثل مركز دبي للأمن الإلكتروني واستراتيجية دبي للأمن السيبراني.
-
المباني الذكية في دبي تُدار غالبًا ضمن منظومات متكاملة تتصل بمراكز رقابة وتحكم حكومية وخاصة، ما يحدّ من فرص الاختراق.
-
البنية التحتية التقنية في دبي صُممت لتكون متوافقة مع معايير عالمية وتشمل حلول الذكاء الاصطناعي لرصد الهجمات قبل وقوعها.
هذه المنظومة جعلت دبي بيئة أكثر أمانًا وجاذبية للمستثمرين الدوليين، حيث يجمع السوق بين الابتكار التقني والحماية السيبرانية. في حين تواجه بريطانيا تحديات كبيرة في حماية مبانيها الذكية، تقدم دبي نموذجًا يُحتذى به في كيفية الدمج بين التوسع العقاري والتقنيات الحديثة دون التفريط بالأمن.
ما يحدث في بريطانيا يمثل جرس إنذار عالمي: المباني الذكية، رغم مزاياها، يمكن أن تتحول إلى نقطة ضعف إذا لم تُدعّم ببنية أمنية قوية. التجربة البريطانية تكشف ثغرات تحتاج إلى معالجة عاجلة، سواء على مستوى الشركات أو التشريعات.
وفي المقابل، تُظهر دبي أن الاستثمار في الأمن السيبراني ليس ترفًا بل ضرورة استراتيجية، وأن حماية البنية التحتية الرقمية تعزز الثقة وتجذب الاستثمارات، وتحوّل التحدي إلى فرصة للنمو المستدام.

