سجّل معدل التضخم السنوي في المدن المصرية خلال شهر مايو 2025 أعلى مستوى له منذ بداية العام، حيث بلغ 16.8% مقارنة بـ13.9% في أبريل، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. وجاء هذا التصاعد في سياق موجة متواصلة من ارتفاع أسعار المستهلكين، لتكون هذه المرة الثالثة على التوالي التي يشهد فيها المؤشر زيادة شهرية منذ مارس.
وتشير التفاصيل إلى أن معدل التضخم الشهري ارتفع بدوره من 1.3% في أبريل إلى 1.9% في مايو، وهو ما يعكس تسارعًا مقلقًا في الارتفاعات السعرية، لا سيما في السلع الغذائية، التي تُعد الأكثر تأثيرًا على حياة المواطنين. فقد قفزت أسعار الفاكهة بنسبة 13.4% على أساس سنوي، بينما ارتفعت أسعار الخضراوات بنسبة 2.1%، والأسماك بنسبة 2.4%. ولم تقتصر الزيادات على المواد الغذائية، بل شملت أيضًا الأجهزة والمعدات الطبية، التي شهدت زيادة بنسبة 6.9%.
تحذيرات البنك المركزي في ظل سياسة نقدية متحفظة
على الرغم من قيام البنك المركزي المصري بخفض أسعار الفائدة للمرة الثانية هذا العام، في 22 مايو 2025، في محاولة لدعم النشاط الاقتصادي، فقد حرص في الوقت نفسه على التحذير من استمرار المخاطر التضخمية. وأوضح أن هذه المخاطر لا تزال قائمة، رغم تباطؤ بعض المؤشرات، نتيجة تداخل عدد من العوامل الخارجية والداخلية.
وأبرز هذه العوامل تمثل في تصاعد التوترات الإقليمية، وتنامي سياسات الحماية التجارية عالميًا، وتجاوز آثار ضبط المالية العامة للتوقعات. وأكد البنك المركزي أن معدلات التضخم الأساسية والعامة بدأت تُظهر بوادر تراجع، مما يعزز من احتمالات تحسن توقعات التضخم خلال الفترة المقبلة، خصوصًا في النصف الثاني من عام 2025 وامتدادًا إلى عام 2026.
إصلاحات مالية حادة وواقع معيشي ضاغط
التصاعد المتكرر في معدل التضخم لا يمكن فصله عن سلسلة من قرارات الحكومة المصرية الرامية إلى ضبط المالية العامة وتخفيف عبء الدعم عن الموازنة. ففي أبريل 2025، رفعت الحكومة أسعار الوقود للمرة الثانية خلال ستة أشهر، ليشمل الرفع جميع أنواع البنزين والسولار، بمتوسط زيادة قدرها جنيهين للتر، ما ساعد في توفير نحو 35 مليار جنيه من موازنة العام المالي 2024-2025.
وقبل ذلك، وتحديدًا في مايو 2024، قامت الحكومة برفع سعر رغيف الخبز المدعم بنسبة 300%، لأول مرة منذ أكثر من ثلاثة عقود، ما شكّل صدمة اجتماعية واقتصادية للكثير من الأسر محدودة الدخل. كما شملت الزيادات أسعار تذاكر المترو والقطارات في أغسطس 2024، بنسبة تراوحت بين 12.5% و25%، إلى جانب زيادات لاحقة في أسعار الكهرباء وخدمات الإنترنت والهاتف المحمول، بالإضافة إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار مواد البناء، وعلى رأسها الأسمنت والحديد.
هل نحن أمام أزمة أم بداية تحوّل اقتصادي؟
إنّ ارتفاع التضخم، على الرغم من آثاره السلبية الواضحة على القدرة الشرائية، لا يُنظر إليه دائمًا كظاهرة سلبية بالمطلق. ففي كثير من الأحيان، يكون جزءًا من استراتيجية أوسع لإعادة هيكلة الاقتصاد وتحقيق استدامة مالية طويلة الأجل. إلا أن التحدي الحقيقي يتمثل في إدارة هذا التحول بما لا يُثقل كاهل المواطن، ويضمن في الوقت ذاته أن تظل عجلة الإنتاج والاستثمار في حالة دوران مستمر.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تستطيع مصر الموازنة بين الإصلاح الاقتصادي والاستقرار المجتمعي؟ الجواب لن تحدده الأرقام وحدها، بل أيضًا قدرة الدولة على تبني سياسات حمائية ذكية، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، وتحفيز الإنتاج المحلي كوسيلة لمواجهة الارتفاعات المستوردة.

