كان مشروع المكعّب في الرياض يُقدَّم على أنه رمز لمرحلة جديدة من التحول الاقتصادي والعمراني في السعودية، ومثال على قدرة الدولة على تنفيذ مشاريع غير مسبوقة عالمياً. لكن مع تعليق الأعمال وإعادة تقييم الجدوى، بدأ يتضح أن المشروع ربما كان انعكاساً لطموحات أكبر من قدرة السوق والواقع الاقتصادي على استيعابها في هذه المرحلة.
منذ الإعلان عنه، أثار المشروع تساؤلات حول تكلفته الضخمة وعوائده الحقيقية. فبناء هيكل بهذا الحجم والتعقيد يتطلب استثمارات هائلة في الإنشاء، التشغيل، والصيانة، دون وجود ضمانات واضحة لتحقيق إيرادات مستدامة تغطي هذه التكاليف. ومع تغير الظروف الاقتصادية العالمية وارتفاع تكاليف التمويل، أصبحت مثل هذه المشاريع عبئاً محتملاً على الميزانية أكثر من كونها فرصة استثمارية.
المكعّب كان مخططًا له أن يكون مبنى ضخمًا على شكل مكعب بطول وعرض وارتفاع يبلغ 400 متر، يضم في داخله قبة عرض ذكية تعمل بالذكاء الاصطناعي وتطل على تصميم داخلي فريد، وكان يُنظَر إليه كأيقونة معمارية لمدينة المربع الجديد في الرياض.
التعليق يشمل وقف الأعمال بعد مرحلة الحفر والأساسات، بينما تستمر بعض أجزاء التطوير العقاري المحيطة بالمشروع. الخطوة تأتي ضمن مراجعة أوسع لمشاريع كبرى أخرى ضمن رؤية 2030، التي تتعرض لضغوط مالية نتيجة انخفاض عائدات النفط وتغيرات في أولويات الاستثمار. صندوق الاستثمار العام السعودي، الذي تبلغ أصوله نحو 925 مليار دولار، يسعى إلى توجيه الموارد نحو مجالات تُعدّ أكثر جدوى قصيرة ومتوسطة المدى مثل اللوجستيات والذكاء الاصطناعي وقطاع التعدين.
تُظهر هذه الخطوة تحولًا في النهج الاستراتيجي للحكومة السعودية من تفضيل المشاريع العملاقة ذات الطابع الرمزي والفخم إلى مشاريع ذات عائد اقتصادي مباشر وأسرع، مع الحفاظ على استمرارية التطوير العمراني في الرياض.
في النهاية، لا يعني التراجع عن مشروع المكعّب فشلاً شاملاً لرؤية السعودية 2030، لكنه يسلّط الضوء على مخاطر الاعتماد على المشاريع العملاقة كوسيلة أساسية لبناء الصورة الاقتصادية. التحول الحقيقي لا يُقاس بضخامة المباني، بل بقدرة الاقتصاد على خلق وظائف مستدامة، جذب استثمارات منتجة، وتحسين جودة حياة المواطنين على المدى الطويل.

