في خطوة تعكس التحول العميق الذي تشهده المملكة العربية السعودية في قطاع الصناعات الحيوية، أعلنت شركة جلفار في نهاية صيف 2024 عن خطة استثمارية كبرى بقيمة تقارب 300 مليون ريال سعودي لإنشاء منشأة دوائية متقدمة داخل المملكة، ضمن إطار مستهدفات رؤية السعودية 2030 الرامية إلى توطين الصناعات الاستراتيجية وتعزيز الأمن الدوائي.
شركة جلفار هي شركة إماراتية، يقع مقرّها الرئيسي في إمارة رأس الخيمة في دولة الإمارات العربية المتحدة،
وتُعد من أكبر شركات تصنيع الأدوية في المنطقة، مع حضور صناعي وتسويقي واسع في أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وخارجها.
هذا الاستثمار لا يأتي كمشروع تقليدي، بل كمجمع صناعي متكامل يركز على تصنيع الأدوية والتقنيات الحيوية المتقدمة، مع اهتمام خاص بالأدوية البيولوجية المعقدة، والأدوية المعقمة، والتراكيب الدوائية العامة، وهي من أكثر القطاعات حساسية وأهمية في سلاسل الإمداد الصحية محلياً وإقليمياً.
من التخطيط إلى التنفيذ
في ديسمبر 2025، انتقل المشروع من مرحلة الإعلان إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، بعد توقيع جلفار اتفاقية إيجار طويلة الأمد مع هيئة مدن في مدينة جدة، لإنشاء المجمع الدوائي المتكامل باستثمار يُقدّر بنحو 300 مليون ريال سعودي. هذه الخطوة تؤكد جدية المشروع ودخوله حيز الإجراءات العملية المتعلقة بالعقود، وتخصيص الأرض، والترتيبات التنظيمية.
وقد تم تخصيص أرض بمساحة 45 ألف متر مربع داخل المدينة الصناعية الثالثة في جدة، وهي من أبرز المناطق الصناعية المهيأة للبنية التحتية المتقدمة، ما يمهّد لبدء أعمال الإنشاء والتجهيز، وصولاً إلى التشغيل خلال الفترة القادمة.
أبعاد اقتصادية وتنموية
لا يقتصر أثر المشروع على الجانب الصناعي فقط، بل يمتد ليشمل البعد الاقتصادي والاجتماعي، إذ تشير التقديرات إلى أن المجمع عند تشغيله سيوفّر ما يصل إلى 1400 وظيفة مباشرة، تشمل كوادر فنية، وصحية، وهندسية، وإدارية، ما يساهم في نقل المعرفة وتوطين الكفاءات الوطنية في قطاع دوائي عالي التخصص.
كما يعزز المشروع قدرة المملكة على تلبية الطلب المحلي والإقليمي على الأدوية الحيوية، ويقلل الاعتماد على الاستيراد، ويرفع من جاهزية النظام الصحي في مواجهة الأزمات وسلاسل التوريد العالمية المتقلبة.
استثمار جلفار في السعودية ليس مجرد توسع جغرافي، بل هو رسالة واضحة بأن المملكة أصبحت بيئة جاذبة للصناعات الدوائية المتقدمة، بالرؤية الواضحة، والبنية التشريعية الداعمة، والبنية التحتية الصناعية المتطورة.
ومع دخول هذا المشروع حيز التنفيذ، تقترب السعودية خطوة إضافية من هدفها بأن تكون مركزاً إقليمياً للصناعات الدوائية والتقنيات الحيوية، حيث لا يُنظر إلى الدواء كمنتج فقط، بل كعنصر سيادي مرتبط بالصحة، والاقتصاد، والاستدامة.

