شهدت أسعار النفط خلال تداولات يوم الجمعة ارتداداً ملحوظاً، حيث صعدت عقود خام برنت نحو مستوى 65 دولاراً للبرميل بعد خسائر الجلسة السابقة، في حركة تعكس حساسية السوق الشديدة تجاه عاملين رئيسيين يتمثلان في المخاطر الجيوسياسية من جهة، وتوقعات العرض والطلب العالمي من جهة أخرى
السبب المباشر لعودة الصعود كان تصاعد التوترات المرتبطة بإيران بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي أعادت ملف الخطر العسكري إلى الواجهة. ترامب تحدث عن توجه أسطول باتجاه إيران، ورغم أنه عبّر عن أمله بعدم الحاجة لهذا التحرك، إلا أنه وجّه تحذيرات واضحة لطهران تتعلق بعدم استهداف المتظاهرين وعدم إعادة تشغيل البرنامج النووي. هذه الرسائل رفعت فوراً من علاوة المخاطر في أسعار النفط، لأن إيران تُعد رابع أكبر منتج داخل أوبك، وأي تهديد مرتبط بالإمدادات منها أو بالقرب من مناطق عبور استراتيجية ينعكس سريعاً على تسعير خام برنت
في المقابل ظهرت رسالة مختلفة من السعودية عبر تصريحات الرئيس التنفيذي لأرامكو الذي حاول تهدئة المخاوف المتعلقة بوجود تخمة نفطية عالمية. فقد قلّل من جدية هذه المخاوف مستنداً إلى أن الطلب الحقيقي الكامن ما يزال قوياً، وأن الاستهلاك العالمي سجل مستويات قياسية العام الماضي، مع توقعات بمزيد من النمو خلال 2026. هذه النقطة مهمة لأنها توضح أن السوق لا يتحرك فقط بالعناوين السياسية، بل أيضاً بالقراءة العميقة للطلب، خصوصاً في الاقتصادات الناشئة والأسواق الكبرى
أما الوكالة الدولية للطاقة فحافظت على نبرة أكثر تحفظاً مؤكدة أن المعروض العالمي مرشح لتجاوز الطلب خلال هذا العام حتى بعد قيامها برفع طفيف لتوقعات نمو الطلب. وهذا يعني أن الصورة الأساسية ما تزال تشير إلى احتمالية فائض، لكن السوق حالياً لا يسعّر الفائض وحده، بل يسعّر أيضاً خطر التعطّل المفاجئ للإمدادات، وهو ما يبرر تماسك الأسعار رغم إشارات زيادة المعروض
إضافة إلى ذلك حصل النفط على دعم تقني ومالي عبر تراجع الدولار، إذ أن ضعف العملة الأمريكية يجعل السلع المقومة بالدولار مثل النفط أكثر جاذبية للمشترين حول العالم، ما يمنح الأسعار دفعة إضافية حتى دون تغيّر كبير في التوازنات الفعلية للإنتاج والاستهلاك
الخلاصة أن ارتفاع برنت نحو 65 دولاراً لم يكن مجرد حركة تعويضية بعد هبوط سابق، بل هو نتيجة تفاعل مركّب بين توترات إيران وتصريحات أرامكو الداعمة لرواية الطلب القوي وبين تحذيرات وكالة الطاقة من فائض محتمل إضافةً إلى تأثير الدولار. وهذا يوضح أن سوق النفط في هذه المرحلة يعيش على ميزان حساس، يكفي تصريح سياسي واحد ليغيّر اتجاه السعر حتى لو كانت البيانات الأساسية تشير إلى وفرة في المعروض

