في لحظة فارقة من تاريخ سوريا، حين تتهاوى عروش الطغاة وتتبدد غيوم الظلم، تُكتب فصول جديدة بحبر التضحيات وآهات المعذبين. دمشق، المدينة التي احتضنت الحضارة وشهدت على مر العصور صمود الأحرار، تُطل اليوم على العالم بحكاية سقوط ديكتاتور وصعود أمل جديد. بين الأنقاض تُزهر إرادة الحياة، وبين الدموع تتشكل ملامح وطن ينفض عن كاهله غبار القهر ويبحث عن غده المشرق.
بعد أن أزاحت المعارضة السورية الستار عن سيطرتها على دمشق وفرار بشار الأسد إلى وجهة مجهولة، تعود الأنظار نحو “قانون قيصر”، الأداة الاقتصادية الحاسمة التي تبنتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في عام 2019 لعزل النظام السوري وإضعاف موارده الاقتصادية. هذا القانون الذي يحمل اسم “قيصر”، المستعار لضابط سوري منشق، كشف للعالم صوراً مؤلمة لجرائم حرب ارتُكبت داخل أروقة النظام السابق، وأبرزها في سجن صيدنايا، حيث وثقت عدسته لحظات تعذيب مروعة وجثث معارضين قضوا تحت وطأة القمع.
القانون الذي طال تأثيره الأفراد والشركات المتصلة بالنظام، وحتى الأطراف الدولية الداعمة له، ألقى بظلاله الثقيلة على الاقتصاد السوري، فوفقاً لتقرير البنك الدولي، تفاقمت معدلات التضخم والفقر، وانهارت الليرة السورية إلى مستويات غير مسبوقة، لتتسع دائرة المعاناة لتشمل ملايين السوريين.
ترامب وسقوط “الديكتاتور”
وصف الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب سقوط الأسد بأنه إسدال لستار “ديكتاتورية مدعومة من روسيا”، عبر منصته “تروث سوشال”. ورغم ذلك، لم تتضح ملامح السياسة الأمريكية الجديدة بشأن العقوبات، إذ ما زالت واشنطن تدرس الخيارات بين الإبقاء عليها كورقة ضغط لتحقيق الانتقال السياسي، أو تخفيفها لدعم التعافي الاقتصادي.
الدول الأوروبية سارعت إلى الترحيب بسقوط الأسد، واصفة الحدث بأنه نهاية لعهد القمع. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اعتبره “فرصة لإنهاء دولة الهمجية”، ودعا إلى دعم الشعب السوري في تحقيق السلام، بينما أكد المستشار الألماني أولاف شولتس على أهمية ضمان حقوق الإنسان وحماية الأقليات.
في المقابل، دعت كل من روسيا وإيران إلى احترام سيادة سوريا ومنع التدخلات الخارجية. الخارجية الإيرانية شددت على أن “الشعب السوري وحده من يحدد مستقبله”، بينما دعت روسيا إلى حوار سوري-سوري بعيداً عن الضغوط الدولية.
أفق المرحلة الجديدة
تبدو المرحلة المقبلة حاسمة، إذ يرى المحللون أن تخفيف العقوبات قد يُشترط بتحقيق إصلاحات ديمقراطية وتشكيل حكومة انتقالية مدعومة دولياً. في حين أن غياب رؤية واضحة قد يطيل أمد العقوبات، مخافة انهيار الدولة بشكل كامل.
بين تطلعات الداخل السوري ورهانات السياسة الدولية، يقف الشعب السوري على مفترق طرق، متأرجحاً بين أمل السلام وخطر الفوضى.

