في خطوة مهمة نحو تعزيز منظومة الدفع الإلكتروني وتحقيق الشمول المالي، أصدر مصرف سورية المركزي التعميم رقم (15/843) بتاريخ 22 ديسمبر 2024. ينص هذا التعميم على تحرير سقف السحب اليومي من حسابات التجار الخاصة بتنفيذ عمليات الدفع الإلكتروني، وذلك باستخدام كافة القنوات المتاحة عبر الحسابات المصرفية.
يهدف التعميم إلى تسهيل العمليات المالية للتجار وتعزيز مرونة المعاملات عبر القنوات الرقمية. حيث أصبح بإمكان التجار سحب المبالغ المالية من حساباتهم المصرفية الخاصة بعمليات الدفع الإلكتروني دون قيود يومية صارمة. يندرج هذا القرار ضمن استراتيجية المصرف المركزي لتوسيع استخدام الدفع الإلكتروني وتقليل الاعتماد على النقد التقليدي.
فوائد القرار على الأطراف المختلفة:
1. للتجار:
مرونة في العمليات المالية: يمكن للتجار الآن الوصول إلى أموالهم دون التقيد بسقوف يومية صارمة.
زيادة الكفاءة التشغيلية: يقلل القرار من الحاجة إلى التعامل النقدي المباشر، مما يوفر الوقت والجهد.
تشجيع التجارة الإلكترونية: يزيد القرار من ثقة التجار في استخدام منصات الدفع الإلكتروني.
2. للعملاء (المستهلكين):
تسهيل المعاملات اليومية: تعزيز انتشار الدفع الإلكتروني سيجعل التسوق والدفع أكثر سهولة.
زيادة الأمان: يقلل الاعتماد على النقد من مخاطر السرقة والضياع.
تشجيع التعامل الرقمي: يُشجع المستهلكين على استخدام البطاقات البنكية وتطبيقات الدفع الإلكتروني.
3. للمصارف:
زيادة العوائد المالية: زيادة المعاملات الإلكترونية ستساهم في تعزيز إيرادات المصارف من رسوم الخدمات الرقمية.
تعزيز الكفاءة التشغيلية: تقليل الاعتماد على النقد يساهم في تحسين إدارة النقد داخل المصارف.
توسيع قاعدة العملاء: تشجيع الدفع الإلكتروني سيزيد من عدد الحسابات المصرفية الفعالة.
الأثر الاقتصادي المتوقع:
إن هذا القرار يعزز مبدأ الاقتصاد الرقمي ويجعل النظام المصرفي أكثر مرونة وكفاءة. سيؤدي ذلك إلى زيادة سرعة دوران النقد في الاقتصاد وتقليل التكاليف المرتبطة بإدارة السيولة النقدية. إضافة إلى ذلك، يعزز القرار من قدرة المصارف على مراقبة المعاملات المالية بشكل أفضل، مما يقلل من مخاطر الفساد والأنشطة غير القانونية.
قد يمهد القرار بشكل غير مباشر لاستبدال العملة الورقية الحالية التي تحمل صورة بشار الأسد. من خلال تعزيز الاعتماد على نظم الدفع الإلكتروني سيقل الاعتماد على النقد الفعلي، مما يجعل أي عملية لاحقة لاستبدال العملة أقل صدمة للاقتصاد وأكثر سلاسة.
يمكن للنظام استخدام الدفع الإلكتروني كأداة لتأجيل أو حتى تلافي استبدال العملة الورقية بشكل فوري، خصوصًا مع الحساسيات السياسية المرتبطة بإصدار عملة جديدة. في الوقت ذاته، إذا نجح النظام في تعزيز استخدام الحلول الرقمية وتقليل تداول النقد الورقي سيُعتبر ذلك خطوة تمهيدية نحو أي تغييرات محتملة في شكل أو تصميم العملة الورقية. لكن لا يمكن تجاهل أن استبدال العملة يُعتبر قرارًا سياسيًا واقتصاديًا معقدًا يتطلب استقرارًا سياسيًا واحتياطيًا نقديًا أجنبيًا كافيًا لدعم أي عملة جديدة، وهي مقومات تفتقر إليها سورية حاليًا. بالتالي، فإن الدفع الإلكتروني قد يشكل أداة مرحلية لتخفيف حدة الأزمة النقدية، لكنه ليس بديلاً كافيًا لمعالجة الأسباب الجذرية للمشكلة الاقتصادية.
قرار مصرف سورية المركزي بتحرير سقف السحب اليومي عبر الدفع الإلكتروني قد يحمل تأثيرًا إيجابيًا على التضخم الذي بلغ 140%، إذ إن اعتماد المعاملات الرقمية يقلل من كمية الأموال النقدية المتداولة خارج النظام المصرفي، مما يساهم في الحد من المضاربات العشوائية وعمليات تهريب الأموال.
كما يُتيح هذا القرار للمصرف المركزي قدرة أكبر على مراقبة حركة الأموال وتنفيذ سياسات نقدية أكثر دقة، الأمر الذي قد يساعد في الحد من تفاقم التضخم. علاوة على ذلك، فإن الاعتماد على الدفع الإلكتروني سيقلل من حجم الاقتصاد الموازي أو ما يُعرف بالاقتصاد الأسود، مما يعزز من إيرادات الدولة الضريبية ويقلل من الفوضى المالية التي تؤدي إلى تآكل قيمة العملة.
وبالإضافة إلى ذلك، قد تؤدي زيادة الثقة في النظام المصرفي الرقمي إلى تشجيع الأفراد على الاحتفاظ بأموالهم في الحسابات المصرفية بدلاً من تحويلها إلى عملات أجنبية أو ذهب، مما يخفف الضغط على سعر الصرف. ورغم هذه الفوائد، يبقى تأثير القرار على التضخم محدودًا إذا لم ترافقه إصلاحات اقتصادية أوسع تشمل ضبط الإنفاق الحكومي، زيادة الإنتاج المحلي، جذب الاستثمارات الأجنبية، وتحسين البيئة الاقتصادية والسياسية بشكل عام. إن الدفع الإلكتروني أداة مساعدة في تنظيم المعاملات وتقليل الفوضى النقدية، لكنه لن يكون كافيًا بمفرده للتغلب على التضخم ما لم يُعتمد كجزء من حزمة إصلاحات شاملة وفعالة.
في النهاية، يُعتبر القرار خطوة واعدة نحو تنظيم المعاملات المالية وتعزيز أسس الاقتصاد الرقمي، ويمثل نقطة انطلاق مهمة نحو بناء نظام مالي أكثر كفاءة وشفافية. ومع تبني رؤية إصلاحية متكاملة تشمل الجوانب الاقتصادية والنقدية والسياسية، يمكن لهذا القرار أن يُحدث تأثيرًا إيجابيًا واسعًا يُسهم في استقرار الاقتصاد وتعزيز الثقة بالنظام المالي على المدى الطويل.