شهدت سوريا خلال الفترة الأخيرة تطوّراً لافتاً على صعيد ملف الطاقة، بعد إعلان سيطرة الجيش السوري على حقل العمر النفطي (أكبر الحقول في البلاد) وحقل كونيكو للغاز في شرق سوريا، بالتوازي مع تسلّم الشركة السورية للنفط حقولاً أخرى في الشمال مثل صفيان والثورة (وقبلها الرصافة)، في خطوة تمهّد لإعادة الحقول إلى الإنتاج تدريجياً.
هذه التطورات لا تحمل فقط أبعاداً ميدانية، بل تفتح باباً اقتصادياً واسعاً أمام الدولة السورية لاستعادة مورد سيادي طالما كان أحد أهم مصادر التمويل والنقد الأجنبي قبل الحرب، وهو ما سينعكس مستقبلاً على الاستقرار الاقتصادي والخدمات الأساسية.
أولاً: لماذا تُعد السيطرة على حقول النفط “خبر اقتصادي إيجابي”؟
في الاقتصاد، النفط ليس مجرد مادة خام، بل يُعدّ عملة صعبة بشكل غير مباشر، لأنه يوفّر للدولة مورداً يمكن تحويله سريعاً إلى تدفقات نقدية بالقطع الأجنبي سواء عبر التصدير أو عبر تخفيف فاتورة الاستيراد.
وقبل عام 2011، كان النفط يشكّل نسبة كبيرة من موارد الدولة السورية، ويمثل أحد أهم مصادر تمويل الاستيراد، إضافة إلى أنه كان يمنح الحكومة قدرة أعلى على ضبط الإنفاق وتمويل الخدمات الأساسية.
أما اليوم، فإن أي توسّع في سيطرة الدولة على حقول النفط يعني ببساطة عدة مكاسب اقتصادية محتملة، أبرزها زيادة الإيرادات الدولارية، تخفيف الضغط على الاستيراد، تحسين الكهرباء وتوافر الوقود، وتعزيز استقرار سعر الصرف على المدى المتوسط.
ثانياً: كيف يمكن أن ينعكس ذلك على حياة الناس؟
النقطة الأهم التي تهم المواطن السوري عملياً هي أن الطاقة تعني خدمات يومية. لذلك فإن إعادة تشغيل الحقول لا تُقاس فقط بالأرقام، بل بأثرها المباشر على حياة الناس. فعندما يرتفع الإنتاج تتحسن قدرة الدولة على تقليص التقنين الكهربائي تدريجياً، وتوفير المشتقات النفطية محلياً بدلاً من الاستيراد المكلف، ما ينعكس على خفض جزء من كلف النقل والإنتاج، ويمنح المصانع وورش العمل هامشاً أفضل للاستمرار والتشغيل.
وبالتالي، لا يبقى الأثر محصوراً داخل الموازنة العامة، بل ينتقل بسرعة إلى الاقتصاد الحقيقي عبر أربع قنوات أساسية: السوق، والأسعار، وكلفة الإنتاج، وفرص العمل.
ثالثاً: فرصة لتعزيز المالية العامة “بدون ديون”
رابعاً: الباب يُفتح أمام الاستثمار وإعادة الإعمار
خامساً: لماذا قد يكون هذا التحول “نقطة اقتصادية فاصلة”؟
الأهمية الاستراتيجية لهذه التطورات أنها:
- تعطي الدولة مورداً سيادياً مستقلاً
- تقلل حساسية الاقتصاد لأي ضغط خارجي
- تمنح قدرة أعلى على تأمين الحد الأدنى من الخدمات
- كما أن استعادة حقل العمر وكونيكو تحديداً تحمل دلالة قوية لأنهما من أهم أصول الطاقة في سوريا.
خلاصة المشهد, رغم أن أي أثر فوري سيبقى مرتبطاً بواقع التشغيل وحجم الإنتاج الفعلي، فإن الاتجاه العام يحمل فرصة إيجابية كبيرة. فإذا تم الاستثمار بجدية في إعادة التأهيل وتشغيل الحقول بكفاءة، فقد تدخل سوريا تدريجياً مرحلة تحسن مالي وتخفيف للعجز وزيادة في موارد القطع الأجنبي، بما يتيح دعماً أوسع للخدمات الأساسية وتحريكاً لعجلة الإنتاج المحلي. وبهذا يمكن أن يتحول النفط مرة أخرى من ملف سياسي أو ساحة نزاع ميداني إلى قاطرة اقتصادية حقيقية تفتح الباب لمسار جديد من التعافي والاستقرار.

