في خطوة مفاجئة، أعلن مصرف سوريا المركزي عن رفع سعر صرف الليرة أمام الدولار وتوحيد نشرات أسعار الصرف، وهو إجراء اقتصادي يُعدّ في ظاهره جريئًا ومهمًا، لا سيّما في هذا التوقيت الحساس الذي تمرّ به البلاد. لكن، هل تكفي هذه الخطوة وحدها لإنعاش الاقتصاد السوري؟ الإجابة باختصار: لا.
من جهة، لا يمكن إنكار بعض الإيجابيات المهمّة لهذه الخطوة. أولاً، هناك جانب نفسي لا يُستهان به يتمثل في استعادة الثقة بالليرة. فبعد سنوات من الانهيار والتراجع الحاد، أي تحسُّن في قيمة العملة، حتى لو كان طفيفًا، يُرسل رسالة إيجابية للأسواق ويخلق نوعًا من التفاؤل. هذا التحرك الأخير تزامن مع إشارات سياسية تعتبرها بعض الأوساط بوادر بداية انفراج، ما عزز شعورًا عامًا بأن مرحلة من الاستقرار النقدي قد تكون في الأفق.
كذلك، فإن توحيد أسعار الصرف يُعتبر أداة فعّالة لكبح المضاربة العشوائية وتقليص دور السوق السوداء، التي لطالما كانت واحدة من أبرز أسباب الفوضى السعرية وفقدان الثقة بالقطاع المالي. هذه الخطوة تعزز الشفافية، وتمنح المستثمرين والمستوردين مساحة أوضح للتعامل في السوق دون مفاجآت أو اختلافات في الأسعار تؤثر على خططهم وأرباحهم.
أما على الصعيد الرمزي، فإن هذا القرار يُمكن قراءته كـ إشارة على نية الانتقال إلى مرحلة اقتصادية جديدة، ربما تخرج البلاد تدريجيًا من عباءة الاقتصاد الأمني والموجه، نحو نهج أكثر واقعية وانفتاحًا. هذه الخطوة، في حال تبعتها إجراءات حقيقية، قد تُمهّد الطريق لإصلاحات أعمق تعيد هيكلة الاقتصاد الوطني بشكل مستدام.
ورغم أن رفع قيمة الليرة وتوحيد سعر الصرف يقدّمان مؤشرات إيجابية، إلا أن الرهان على هذه الخطوة وحدها دون إصلاحات اقتصادية حقيقية قد يكون محفوفًا بالمخاطر. فالتجربة تقول إن التحسّن في سعر الصرف، عندما لا يكون مدعومًا بإنتاج فعلي ومصادر دخل حقيقية، يتحول سريعًا إلى مجرّد وهم مؤقت.
من أبرز التحديات التي تواجه هذه الخطوة هو أن الإصلاح النقدي دون إصلاح إنتاجي يعني تضخم مؤجل. لا يمكن لأي عملة أن تحافظ على قيمتها إن لم يكن هناك اقتصاد حقيقي يقف خلفها. الزراعة، الصناعة، قطاع الخدمات, كل هذه الركائز يجب أن تتحرك معًا لدعم أي تحسن في سعر الصرف، وإلا فإن ما نراه اليوم قد يتحول غدًا إلى تراجع جديد وأعمق.
إضافة إلى ذلك، فإن ضبط السوق بدون موارد حقيقية يضع المصرف المركزي في موقع ضعيف. سعر الصرف لا يرتفع فقط بقرار إداري، بل يحتاج إلى تدفقات نقدية ثابتة من صادرات قوية، تحويلات المغتربين، أو استثمارات أجنبية. بدون هذه العوامل، قد نشهد حالة من التوازن المصطنع، يليها اختلال مفاجئ قد يُفقد السوق ما تبقى من الثقة.
ولا يمكن تجاهل واقع العقوبات الدولية التي تخنق مفاصل الاقتصاد السوري وتمنع اندماجه الطبيعي في السوق العالمية. ما لم يتم تخفيف هذه العقوبات أو الوصول إلى تسويات تدريجية، ستظل قدرة المصرف المركزي محدودة جدًا في تنفيذ سياسات نقدية فعالة ومتوازنة.
إذن، ماذا بعد؟ لا يكفي تحسين سعر الصرف شكليًا، بل المطلوب هو إطلاق حزمة إصلاحات اقتصادية متكاملة، تبدأ من تعزيز الشفافية المالية، مرورًا بدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وصولًا إلى إعادة هيكلة النظام الضريبي والمصرفي بما يضمن عدالة أكبر وقدرة على تحفيز الاستثمار.
ولعلّ من أهم المفاتيح لإنعاش الاقتصاد هو جذب الاستثمارات الخارجية وتشجيع عودة السوريين من الخارج، خصوصًا من يملكون رأس المال والخبرة. كما أن إعادة الإعمار يجب أن تتم وفق آليات رقابية صارمة، تضمن الشفافية وتمنع تكرار سيناريوهات الفساد التي دمرت الثقة في مؤسسات الدولة خلاللعقود الماضية.



