في كل دورة صعود قوية يشهدها أي سوق عقاري عالمي، تظهر تقارير تحذيرية تعتمد على الاحتمالات النظرية أكثر من اعتمادها على الواقع الميداني. تقرير فيتش الأخير عن سوق دبي العقاري ليس استثناءً، بل مثال واضح على قراءة إحصائية منفصلة عن السياق الحقيقي الذي تعيشه الإمارة اليوم.
أولاً: رقم 210 آلاف وحدة… تقدير عام لا يعكس الواقع
اعتمدت فيتش في تقييمها على رقم 210 آلاف وحدة سكنية للفترة 2025–2026، وهو رقم تجميعي تقريبي لا يميز بين عدة عوامل جوهرية تؤثر فعلياً على السوق، مثل الوحدات التي أُعلن عنها ولم يبدأ تنفيذها بعد، والمشاريع التي قد تتأجل أو يُعاد جدولتها زمنياً، إضافة إلى أن كثيراً من الوحدات لا تدخل السوق دفعة واحدة، فضلاً عن الاختلاف الكبير بين الشرائح العقارية نفسها، سواء كانت فاخرة أو متوسطة أو استثمارية.
تشير بوضوح إلى أن نمو المعروض الفعلي السنوي لا يتجاوز 10–13%، وهو معدل طبيعي جداً في مدينة تشهد نمواً سكانياً واستثمارياً بحجم دبي، ولا يشكّل ضغطاً سلبياً كما صوّرته فيتش.
ثانياً: تجاهل النمو السكاني الحقيقي… خطأ تحليلي جوهري
أحد أكبر أوجه القصور في تقييم فيتش يتمثل في التقليل من أثر النمو السكاني المستمر في دبي. فدبي اليوم ليست مدينة ذات تركيبة سكانية مستقرة أو جامدة، بل تشهد تدفقاً سنوياً لعشرات الآلاف من المقيمين الجدد، إلى جانب انتقال واضح من الإيجار إلى التملك، واستقطاب كفاءات ورؤوس أموال ذات طابع طويل الأمد لا مؤقت.
يُتوقَّع أن يتجاوز عدد سكان دبي حاجز 4 ملايين نسمة خلال 2025، بعد وصوله إلى نحو 3.95 مليون في منتصف العام، وهو ما يخلق ضغطًا متزايدًا على العقارات السكنية والتجارية ويرفع الأسعار والإيجارات مع استمرار محدودية المعروض في بعض الشرائح. هذا النمو ينعكس في فجوة واضحة بين العرض والطلب، خاصة في المواقع الرئيسية، مع توقع استمرار ارتفاعات معتدلة في 2025 رغم زيادة المشاريع الجديدة.
هذا النمو السكاني لا يمكن اعتباره عشوائياً أو ظرفياً، بل هو نمو نوعي ومدروس تقوده شرائح محددة تشمل رواد أعمال، ومستثمرين، وأصحاب شركات، إضافة إلى عائلات تبحث عن الاستقرار طويل الأمد في بيئة آمنة ومزدهرة.
نتيجة لذلك، يتكوّن في سوق دبي العقاري طلب حقيقي ومستدام قائم على السكن والاستثمار الفعلي، وليس طلباً مضاربياً قصير الأجل كما شهدته السوق في دورات سابقة، وهو عامل أساسي يعزز متانة السوق وقدرته على امتصاص أي زيادة طبيعية في المعروض.
تشير بيانات مركز دبي للإحصاء إلى أن عدد سكان الإمارة بلغ حوالي 3.914 مليون بنهاية الربع الأول 2025، مع زيادة تقارب 51 ألف مقيم خلال الأشهر الثلاثة الأولى فقط مقارنة بالفترة نفسها من 2024.
ثالثاً: تدفق رؤوس الأموال الأوروبية… وبريطانيا تحديداً
من يتابع السوق عن قرب يدرك أن أوروبا أصبحت أحد أهم مصادر الطلب العقاري في دبي وبريطانيا تحديداً تمثل ثقلاً واضحاً في حجم الصفقات والأسباب معروفة ومنها:
- ضغط ضريبي مرتفع في أوروبا
- عدم استقرار سياسي واقتصادي
- ضعف العائدات العقارية مقارنة بدبي
- بيئة تشريعية واستثمارية جاذبة في الإمارات
هذا التدفق ليس مؤقتاً، بل إعادة تموضع لرأس المال العالمي، ودبي هي إحدى أكبر المستفيدين منه.
رابعاً: الأرقام الفعلية تكذّب سيناريو التباطؤ
بعيداً عن التوقعات النظرية والنماذج الافتراضية، فإن الأرقام الميدانية وحدها كفيلة بتوضيح الصورة الحقيقية للسوق. ففي الأسبوع الثاني من شهر ديسمبر تجاوزت قيمة التصرفات العقارية في دبي 25 مليار درهم، تلتها أكثر من 22 مليار درهم في الأسبوع الثالث من الشهر نفسه.
مثل هذه الأرقام لا يمكن أن تصدر عن سوق متجه للتراجع أو فاقد للزخم، بل تعكس بوضوح سوقاً يتمتع بسيولة مرتفعة، وبثقة قوية من المستثمرين، وبنشاط استثماري فعلي قائم على قرارات حقيقية، لا على ضجيج إعلامي أو مضاربات قصيرة الأجل.
خامساً: الفرق بين التحليل الاحتمالي والواقع السوقي
تقييم فيتش بُني في جوهره على سيناريوهات افتراضية ونماذج ضغط محتملة، إلى جانب قراءة عامة لدورات سابقة دون الأخذ بالاعتبار التحولات الهيكلية العميقة التي شهدتها دبي خلال السنوات الأخيرة.
في المقابل، يختلف واقع دبي اليوم جذرياً فالإمارة تقوم على اقتصاد متنوع لا يعتمد على قطاع واحد، وتُدار عبر سياسات حكومية مرنة واستباقية، مع وجود طلب خارجي مستمر مدفوع برؤوس أموال دولية تبحث عن الاستقرار والعائد، إضافة إلى أن السوق العقاري ممول بنسبة كبيرة نقداً لا بالاقتراض، ما يقلل من مخاطر التعثر والضغط الائتماني.
لذلك، فإن إجراء أي مقارنة مباشرة مع سيناريوهات عام 2008 أو حتى 2018 يُعد مقارنة غير منطقية وتتجاهل الفوارق الجوهرية في البنية الاقتصادية والسلوكية للسوق الحالية.
نعم، قد يشهد السوق تهدئة طبيعية في بعض المناطق أو الشرائح، وهذا صحي. لكن الحديث عن ضغط واسع أو تصحيح ناتج عن “فائض معروض” مبني على أرقام غير دقيقة وغير محدثة. سوق دبي العقاري اليوم:
- ينمو بسلوك استثماري واعٍ
- مدعوم بنمو سكاني حقيقي
- مدفوع بتدفق رؤوس أموال عالمية
- ومسنود بأرقام تصرفات قياسية على أرض الواقع
أخيراً, سوق دبي العقاري لا يُدار اليوم بذات الأدوات أو الظروف التي حكمت دورات سابقة، بل يتحرك ضمن منظومة اقتصادية أكثر نضجاً واستقراراً. وبينما تبقى المتابعة والتحليل ضرورية، فإن المؤشرات الواقعية تؤكد أن السوق يسير على مسار نمو متوازن ومدعوم بعوامل حقيقية، وليس على حافة تصحيح حاد كما توحي بعض التقييمات النظرية.
والفرق كبير بين تحليل يُكتب من خلف الشاشات وسوق يُدار بالأرقام، بالثقة، وبالطلب الحقيقي.

