ألقى رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي جيروم باول خطابًا مؤخرًا أكد فيه أن سوق العمل كان المحرك الأساسي لقرار خفض الفائدة الأخير، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الأمريكي تحديات معقدة تجمع بين ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو. هذا الوضع يضع صانعي السياسة النقدية أمام خيارات صعبة، حيث لا يوجد مسار يخلو من المخاطر.
مخاطر مزدوجة: تضخم مرتفع وتوظيف متراجع
قال باول إن المخاطر على المدى القريب للتضخم ما تزال تميل إلى الارتفاع، بينما المخاطر على سوق التوظيف تميل للانخفاض. هذه الموازنة الصعبة تعكس ما يعرف اقتصاديًا بـ الركود التضخمي، وهو وضع نادر يجمع بين ارتفاع الأسعار وضعف النمو الاقتصادي. ورغم أن الوضع الحالي ليس بالحدة التي عاشتها الولايات المتحدة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، إلا أنه يظل تحديًا كبيرًا لسياسات البنك المركزي.
السياسة النقدية: بين التشديد والتيسير
رغم هذه التحديات، أكد باول أنه مرتاح لمسار السياسة النقدية الحالي، لكنه ترك الباب مفتوحًا أمام تخفيضات إضافية للفائدة إذا رأت اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة (FOMC) أن الظروف تستدعي ذلك. وأوضح أن السياسة الحالية ما تزال تميل إلى التشديد الطفيف، وهو ما يمنح الفيدرالي مساحة للتحرك السريع في حال حدوث أي تطورات غير متوقعة.
التضخم والضبابية
أشار باول إلى أن الضبابية حول مسار التضخم ما تزال كبيرة، وأن الفيدرالي سيتعامل بحذر مع احتمالية استمرار الأسعار عند مستويات مرتفعة. الهدف الأساسي هو منع تحول الارتفاعات الحالية في الأسعار إلى تضخم دائم يصعب السيطرة عليه. كما حذّر من أن الرسوم الجمركية المطبقة مؤخرًا قد تضيف ضغوطًا تضخمية إضافية خلال الأرباع المقبلة.
الثقة العامة والتحديات السياسية
لم يقتصر حديث باول على الاقتصاد فقط، بل تناول أيضًا تراجع ثقة الجمهور في المؤسسات الاقتصادية والسياسية، مشيرًا إلى أن المسؤولين في الخدمة العامة عليهم أن يركزوا على مهامهم الجوهرية للحفاظ على هذه الثقة. هذا البعد السياسي والاجتماعي يزيد من حساسية قرارات الفيدرالي ويجعلها محط أنظار الأسواق والجمهور معًا.
خطاب جيروم باول يعكس معضلة اقتصادية مزدوجة: التضخم المرتفع من جهة، وتباطؤ سوق العمل من جهة أخرى. وبينما يحاول الفيدرالي إيجاد توازن دقيق عبر خفض الفائدة دون فقدان السيطرة على الأسعار، تبقى التحديات قائمة، خصوصًا مع التوترات التجارية وتراجع ثقة الجمهور. المرحلة المقبلة ستعتمد على قدرة البنك المركزي على التحرك بحذر واستباق أي تطورات غير متوقعة.

