في عالم تتسابق فيه الدول على تعزيز احتياطاتها من الذهب بوصفه ملاذاً آمناً وحصناً سيادياً في وجه الأزمات، تبرز كندا كحالة استثنائية لافتة للنظر. دولة صناعية كبرى، وعضو في مجموعة السبع (G7)، لكنها لا تمتلك رسمياً أي احتياطي ذهبي في ميزانية بنكها المركزي. خزائنها، على عكس ما قد يتوقعه كثيرون، خاوية تماماً من الذهب.
تاريخياً، لم تكن كندا بعيدة عن الذهب. ففي ديسمبر عام 1965، بلغت قيمة احتياطاتها الذهبية نحو 1.151 مليار دولار، وهو أعلى مستوى مسجل في تاريخها. لكن مع تغير الفلسفة النقدية العالمية، بدأت كندا منذ عام 1986 سياسة بيع تدريجي للاحتياطي الذهبي، إلى أن وصلت فعلياً إلى الصفر بحلول عام 2016 تقريباً.
السبب الرسمي الذي ساقته السلطات النقدية الكندية كان واضحاً, الذهب أصل غير منتج للعائد، عالي التكلفة من حيث التخزين والتأمين، ولا يحقق مرونة سيولة تضاهي ما توفره العملات الأجنبية الرئيسية، وعلى رأسها الدولار الأمريكي. من هذا المنطلق، فضلت كندا إعادة هيكلة احتياطاتها بالتركيز على أدوات مالية أكثر سيولة، مثل السندات الحكومية والعملات الأجنبية.
لكن هذا التوجه يطرح تساؤلات عميقة، خصوصاً في ظل التحولات الجيوسياسية والمالية العالمية. فالذهب لم يعد مجرد أصل تقليدي، بل عاد بقوة ليكون أداة تحوط استراتيجي ضد التضخم، وانهيارات العملات، والعقوبات المالية. لذلك، تحتفظ معظم دول مجموعة السبع، بل والدول الأخرى، بكميات ضخمة من الذهب ضمن احتياطاتها الرسمية.
المفارقة الأبرز أن كندا، رغم كونها من أكبر الدول المنتجة للذهب عالمياً، لا تحتفظ بأي منه في احتياطياتها السيادية. وهنا لا بد من التمييز المهم بين ذهب المناجم الكندية، الذي يصدر ويملكه القطاع الخاص والشركات، وبين الذهب المحتفظ به ضمن ميزانية البنك المركزي، وهو غير موجود فعلياً.
وللمقارنة الرقمية فقط, لو احتفظت كندا بنحو 1,023 طن من الذهب حتى اليوم، وهو رقم ليس بعيداً عن مستويات بعض الدول الصناعية، وبسعر يقارب 4,528 دولاراً للأونصة، لكانت القيمة السوقية لهذا الاحتياطي تتجاوز 132 مليار دولار أمريكي. رقم ضخم كان من الممكن أن يشكل مظلة أمان استراتيجية في زمن تتزايد فيه المخاطر الاقتصادية العالمية.
في النهاية، خيار كندا يعكس مدرسة اقتصادية تؤمن بالسيولة والانفتاح المالي أكثر من التحصن بالذهب. لكنه في الوقت ذاته يضعها في موقع فريد، وربما حساس، في نظام عالمي يعيد اكتشاف الذهب من جديد. والسؤال الذي يبقى مطروحاً, هل كان التخلي الكامل عن الذهب قراراً استراتيجياً صائباً، أم مخاطرة مؤجلة الحساب؟
الأسواق وحدها، والأزمات القادمة، كفيلة بالإجابة.

