في الأيام الأخيرة، تصاعد الجدل في الشارع السوري ومواقع التواصل الاجتماعي حول ما قيل إنه “رفع كبير في أسعار الكهرباء”، حتى تحولت القضية إلى حملة إعلامية شرسة، اتهمت الحكومة بمحاولة تحميل المواطن عبء الأزمة الاقتصادية المتفاقمة. لكنّ مراجعة دقيقة للأرقام والتصريحات الرسمية، كما ورد على لسان وزارة الكهرباء، تُظهر أن الصورة أبعد ما تكون عن الانفجار السعري الذي تم تداوله.
الحقيقة بالأرقام: دعم مستمر بشروط واضحة
وفقًا للمصادر الرسمية، فإن تكلفة إنتاج الكيلو واط الواحد على الحكومة تبلغ 13 سنتًا أمريكيًا، بينما سيتم احتسابه على المواطن السوري بـ 6 سنتات فقط أي أن الحكومة ما زالت تتحمل نحو نصف التكلفة الحقيقية. غير أن هذا السعر المدعوم مشروط بأن لا يتجاوز استهلاك المنزل 300 كيلو واط شهريًا. فإذا بقي الاستهلاك ضمن هذا الحد، لن تتجاوز فاتورة الكهرباء 8 دولارات شهريًا، وهو رقم يظل مقبولًا نسبيًا حتى في ظل ضعف القوة الشرائية.
أما في حال تجاوز الاستهلاك 300 كيلو واط، فسيتم احتساب الـ 300 كيلو واط الأولى بسعر 6 سنتات، وما فوقها بسعر 14 سنتًا، وهو ما يمكن وصفه بنظام “الشرائح التصاعدية” المعمول به في كثير من دول العالم، حيث يدفع المفرط في الاستهلاك أكثر من غيره.
ترشيد الدعم لا رفع الأسعار
من منظور اقتصادي، لا يمكن اعتبار هذا الإجراء “رفعًا للأسعار” بقدر ما هو إعادة هيكلة للدعم بطريقة أكثر عدالة. فالطاقة الكهربائية في سوريا كانت تُباع لسنوات طويلة بأسعار رمزية لا تغطي حتى 10% من التكلفة الحقيقية، ما تسبب في خسائر ضخمة للحكومة واستنزاف للموارد، خاصة مع ضعف الجباية وتهالك البنية التحتية. وبالتالي فإن تعديل التسعيرة يهدف إلى:
- ترشيد الاستهلاك وتقليل الهدر المنزلي.
- تخفيف الضغط المالي على الدولة في ظل ارتفاع أسعار الوقود عالمياً.
- توجيه الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين من ذوي الاستهلاك المحدود والدخل المنخفض.
الإعلام بين المعلومة والتهويل
اللافت في القضية هو حجم الضجة الإعلامية التي رافقت الإعلان عن التسعيرة الجديدة. فقد تحولت المسألة الاقتصادية التقنية إلى حملة سياسية مشحونة، تجاوزت لغة الأرقام لتصل إلى خطاب تحريضي يصور القرار كضربة قاسية للمواطن.
إلا أن جوهر المشكلة لا يكمن في القرار نفسه، بل في غياب التواصل الحكومي الفعّال مع الشارع. حين لا تشرح الحكومة مبررات قراراتها بلغة واضحة ومبسطة، تملأ وسائل التواصل الفراغ بالمبالغات والإشاعات، فيتحول الإصلاح إلى “أزمة رأي عام”.
ورغم منطقية القرار من الناحية الاقتصادية، يبقى السؤال الجوهري, هل المواطن السوري قادر فعلاً على تحمّل 6 سنتات لكل كيلو واط؟ الإجابة تعتمد على مستوى الدخل، الذي لا يزال في حدوده الدنيا مقارنة بكلفة المعيشة المرتفعة. ولذلك، فإن أي تعديل سعري يجب أن يرافقه:
- تحسين تدريجي في الأجور والمعاشات وهذا ما تعمل عليه الحكومة الآن.
- توسيع مشاريع الطاقة البديلة لتقليل التكاليف التشغيلية وهذا أيضاً من أولويات الحكومة.
- محاربة الهدر والفساد داخل منظومة الكهرباء، لأن فقدان الطاقة قبل وصولها إلى المستهلك يُعدّ نزيفاً حقيقياً أكبر من أي رفع للأسعار.
باختصار، ما حدث ليس قرارًا جائرًا بقدر ما هو محاولة لتصحيح خلل اقتصادي مزمن, ومع ذلك يظل نجاح هذا القرار مرهونًا بثلاثة عناصر أساسية وهي الشفافية في التوضيح, العدالة في التطبيق والواقعية في التنفيذ.
فالإصلاح الاقتصادي ليس مجرد أرقام تُعلَن، بل هو جسر من الثقة يُبنى بين الدولة والمواطن. وحين تختار الحكومة أن تُشرك الناس في الفهم قبل القرار، وتُفسّر لهم الأسباب والنتائج بوضوح وشفافية، فهي في الحقيقة تزرع وعيًا يسبق القبول. وعندما يشعر المواطن أن الدولة تقف إلى جانبه في مواجهة الغلاء لا في صفّه الآخر، يتحول القرار من عبءٍ ثقيل إلى خطوة ناضجة نحو الاستقرار الاقتصادي.

