وقعت قطر للطاقة اتفاقية بيع وشراء طويلة الأجل مع شركة JERA اليابانية لمدة 27 عامًا، لتوريد ما يصل إلى 3 ملايين طن سنويًا من الغاز الطبيعي المسال، على أن يبدأ التنفيذ اعتبارًا من عام 2028 تقريبًا. وجاء توقيع الاتفاقية على هامش المؤتمر الدولي الحادي والعشرين للغاز الطبيعي المسال في الدوحة، في خطوة تعكس سعي قطر إلى استعادة وتعزيز حضورها في السوق اليابانية وسط منافسة إقليمية ودولية متزايدة.
ركيزة لأمن الطاقة الياباني
تُعد “جيرا” أكبر شركة لتوليد الطاقة في اليابان، إذ تستهلك ما بين 30 و35 مليون طن سنويًا من الغاز الطبيعي المسال. وتمثل الصفقة الجديدة عنصرًا أساسيًا في استراتيجية الشركة لضمان أمن الإمدادات على المدى الطويل، خصوصًا في ظل تنامي الطلب المرتبط بالتوسع في مراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
كما تمنح الاتفاقية اليابان تدفقات مستقرة من الغاز القطري، في مرحلة تشهد تحولات في مزيج الطاقة بين النووي والمتجددات والوقود الأحفوري، ما يدفع طوكيو إلى تعزيز سياسة التنويع وعدم الاعتماد على مورد واحد.
تراجع سابق ومحاولة استعادة النفوذ
رغم مكانتها التاريخية كمورد رئيسي لليابان، تراجعت حصة قطر في سوق الغاز الياباني من نحو 12% عام 2018 إلى قرابة 4% في 2023. ويُعزى هذا التراجع إلى صعود موردين جدد، خاصة الولايات المتحدة والإمارات، الذين قدموا عقودًا أكثر مرونة، وأقصر أجلًا، ومن دون قيود صارمة على وجهة الشحن.
وتأتي صفقة “جيرا” ضمن جهود قطر لإعادة تثبيت موقعها في آسيا، عبر عقود طويلة تضمن استقرار الطلب والعوائد، في مواجهة بيئة سوقية باتت تميل إلى المرونة.
منافسة متعددة الأطراف
الولايات المتحدة
رفعت الولايات المتحدة حصتها في السوق اليابانية من 3% في 2018 إلى نحو 8% في 2023، مستفيدة من العقود القصيرة والأسعار التنافسية وغياب قيود الوجهة. كما يُتوقع أن تعزز مشاريع جديدة، خاصة في ألاسكا، قدرتها التصديرية بحلول 2030.
الإمارات
تواصل ADNOC توسيع حضورها في آسيا، من خلال عقود طويلة الأجل مع شركات يابانية، أبرزها Osaka Gas، إضافة إلى تعاونها مع “جيرا”. وتمتاز الصادرات الإماراتية بتركيزها على خفض الانبعاثات وبناء شراكات استراتيجية.
عُمان وأستراليا
تحافظ عُمان وأستراليا على موقعهما كموردين موثوقين، مستفيدتين من مرونة الشروط وتفضيل اليابان للعقود القابلة لإعادة التوجيه حسب ظروف السوق.
تأثير الصفقة على التوازن التنافسي
على الرغم من أهمية الاتفاقية القطرية–اليابانية، فإنها لا تشكل ضغطًا كبيرًا على المنافسين الرئيسيين، لعدة أسباب:
-
استقرار أو تراجع الطلب الياباني: الواردات اليابانية تدور حول 65–66 مليون طن سنويًا، مع توقعات بانخفاض تدريجي على المدى المتوسط.
-
سياسة التنويع: “جيرا” لا تعتمد على مورد واحد، بل توزع مشترياتها بين عدة دول.
-
تفوق المرونة الأمريكية والإماراتية: العقود القصيرة وحرية إعادة التوجيه تمنح هذه الدول أفضلية تشغيلية.
وبالتالي، تعزز الصفقة موقع قطر، لكنها لا تُحدث تحولًا جذريًا في خريطة المنافسة.
| الدولة | التأثير الرئيسي | السياق التنافسي |
|---|---|---|
| الولايات المتحدة | ضئيل؛ “جيرا” تخطط لرفع حصتها الأمريكية إلى 30% بحلول 2035 (من 10%) عبر صفقات جديدة 5.5 مليون طن. | تفوق بفضل عقود قصيرة المرونة وعدم قيود الوجهة؛ صدرت 8% من واردات اليابان (2023). |
| الإمارات (أدنوك) | محدود؛ تحتفظ بصفقاتها الطويلة مع “أوساكا غاز” (0.8 مليون طن/15 عامًا) و”جيرا”، مع تركيز على آسيا (8.5 مليون طن/سنة). | قوية بعقود مرنة نسبيًا وغاز منخفض الانبعاثات؛ حصة متزايدة في اليابان. |
| عمان | طفيف؛ تواصل صفقاتها الطويلة مع اليابان بفضل مرونتها. | تنافسية بسبب عقود قصيرة وعدم قيود؛ تفضلها اليابان مع الإمارات والأمريكيين. |
الغاز والذكاء الاصطناعي: عامل جديد في الطلب
أحد الأبعاد اللافتة في الاتفاقية هو ارتباطها غير المباشر بنمو الطلب من قطاع التكنولوجيا، خصوصًا مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي. هذه الأنشطة تستهلك كميات ضخمة من الكهرباء، ما يعيد الاعتبار للغاز الطبيعي كمصدر مستقر وموثوق للطاقة، إلى جانب المتجددات. وفي هذا السياق، تمثل الإمدادات القطرية طويلة الأجل عنصرًا داعمًا لخطط اليابان الرقمية والصناعية.
تعكس صفقة قطر مع “جيرا” استراتيجية مزدوجة: ضمان سوق ثابت طويل الأمد في آسيا، ومواجهة المنافسة عبر الحجم والاستقرار بدل المرونة. وفي المقابل، تواصل الولايات المتحدة والإمارات وعُمان تعزيز مواقعها عبر نماذج تعاقدية أكثر ديناميكية.
خلال السنوات المقبلة، سيظل سوق الغاز الياباني ساحة توازن بين ثلاثة عوامل رئيسية: أمن الإمدادات، مرونة العقود، والتحول الطاقي. وفي هذا الإطار، تبدو قطر لاعبًا مستقرًا طويل النفس، يسعى لترسيخ حضوره، حتى في سوق لم يعد ينمو بالوتيرة السابقة.
في الخلاصة, صفقة قطر – جيرا تمثل خطوة استراتيجية لتعزيز الحضور القطري في اليابان وتأمين تدفقات مستقرة للغاز حتى منتصف القرن، لكنها في الوقت ذاته تأتي في سوق تنافسي يميل إلى المرونة والتنويع، ما يجعل تأثيرها داعمًا لمكانة قطر، دون أن يحدّ بشكل كبير من نفوذ منافسيها.
