في زحام التحولات الاقتصادية المتسارعة، وتذبذب الأسواق المالية بين مد وجزر، لم تعد أسهم عمالقة التكنولوجيا وحدها تجذب أنظار المستثمرين. فبينما حافظت “السبعة العظام” — وعلى رأسهم آبل وإنفيديا — على مكانتهم الرفيعة في مؤشرات السوق، بدأت ملامح التغيير تظهر على خرائط الاستثمار التي يرسمها مديرو الصناديق المدارة بنشاط، في سعيهم الدائم لتحقيق التوازن بين المخاطر والعوائد.
تحليل صادر عن “غولدمان ساكس” تناول 541 صندوقاً ضخماً بإجمالي أصول يتجاوز 3.5 تريليون دولار، كشف عن تحوّل لافت في مراكز مديري الصناديق، حيث تم تقليل أوزان أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى، وعلى رأسها آبل وإنفيديا، مقارنة بمؤشراتهم المرجعية. فقد انخفض وزن آبل في هذه المحافظ إلى 3.3% مقابل وزن معياري يبلغ 6.3%، وتراجعت إنفيديا إلى 3.6% مقابل 5%.
هذا التحول ليس محض صدفة، بل هو ثمرة رؤية تحليلية تتجاوز البريق المؤقت للأسهم التقنية. فأسعار آبل، التي فقدت أكثر من 20% من قيمتها خلال عام 2025، وتعثر تسلا بنسبة تفوق 15%، دفعت الكثير من الصناديق إلى إعادة تموضعها. بل إن الحذر الذي أبداه مدراء الصناديق تجاه أسهم الزخم أثبت جدواه، حيث تجاوز نصف الصناديق المدارة بنشاط أداء مؤشراتهم، مقارنة بمعدل تاريخي لا يتجاوز 37%.
لكن المدهش أن سهم بيركشاير هاثاواي، رمز الاستثمار المحافظ بقيادة وارن بافيت، جاء أيضاً ضمن أكثر الأسهم التي تم تقليل أوزانها، رغم أنه ليس من أسهم التكنولوجيا، مما يدل على أن القرارات لم تُبْنَ فقط على طبيعة القطاع، بل على مقاربات جديدة لتقييم المخاطر والفرص.
وعلى الجانب الآخر من المعادلة، وجدت القطاعات المالية والرعاية الصحية طريقها إلى قلوب المستثمرين. فأسهم مثل “ويلز فارجو”، “بنك أوف أمريكا”، “فيزا” و”ماستركارد” شهدت زيادة في الأوزان داخل المحافظ، مدفوعة بآمال خفض أسعار الفائدة، وارتفاع وتيرة الاندماجات، واحتمالات التحرر من القيود التنظيمية في عهد إدارة ترامب. وحتى مؤشر القطاع المالي صعد قرابة 4% في 2025، ما يؤكد صواب هذه الرهانات.
كذلك، حصدت شركات الرعاية الصحية مثل “مدترونيك” و”سيغنا” مكاسب ملحوظة، إلا أن أسهم “يونايتد هيلث” واجهت عاصفة حادة من التراجع، تجاوزت 40%، بعد أن كانت متربعة على عرش داو جونز مطلع العام. وهذا يؤكد أن النجاح في الأسواق لا يعتمد فقط على اختيار القطاع، بل على القراءة العميقة لكل حالة على حدة.
في الختام، يمكن القول إن ما يجري هو نضوج في سلوك المستثمرين النشطين، وسعي نحو بناء محافظ أكثر تنوعاً واستقراراً، بعيداً عن هوس الزخم. فالأسواق ليست ساحات عشوائية، بل هي مسارح للعقلانية، حيث يُكافأ من يتحلى ببُعد النظر، ويُعاقب من ينخدع ببريق اللحظة.

