أعلن البنك المركزي المصري عزمه طرح أذون خزانة مقوّمة بالدولار لأجل عام بقيمة 800 مليون دولار، في خطوة تعكس بوضوح طبيعة المرحلة المالية الدقيقة التي تمر بها الدولة. ورغم أن مثل هذه الخطوات تقدم غالباً على أنها أدوات لدعم الاستقرار المالي، إلا أن القراءة الاقتصادية المتأنية تكشف أنها إجراء تمويلي مؤقت أكثر منها حلاً جذرياً للأزمة.
من حيث المبدأ، أذون الخزانة المقومة بالدولار تعني اقتراض خارجي جديد، حتى وإن كان قصير الأجل. أي أن الدولة تحصل اليوم على سيولة دولارية عاجلة، لكنها تلتزم بردها لاحقاً مضاف إليها الفوائد. وبذلك، فإن هذا الطرح لا يعد مورداً حقيقياً أو دخل مستدام، بل زيادة مباشرة في أعباء الدين الخارجي.
اقتصادياً، الفائدة الأساسية من هذه الخطوة تكمن في إدارة السيولة لا أكثر. فالـ800 مليون دولار قد تساعد في:
- تغطية التزامات خارجية قريبة.
- تهدئة مؤقتة لسوق الصرف.
- دعم الاحتياطي النقدي لفترة قصيرة.
- إرسال رسالة طمأنة للأسواق بأن الدولة لا تزال قادرة على الوصول إلى التمويل.
لكن في المقابل، يجب الإقرار بوضوح أن هذا الإجراء لا يحسن الاقتصاد الحقيقي، ولا يخلق نمواً مستداماً، ولا يرفع الإنتاج أو الصادرات، ولا يعالج الخلل الهيكلي القائم بين الموارد الدولارية والالتزامات الخارجية. بل على العكس، هو يضيف التزاماً جديداً سيظهر أثره بعد عام عند الاستحقاق، ما يعني أن المشكلة لا تحل بل ترحل زمنياً فقط.
الإشكالية الأعمق لا تكمن في أداة الاقتراض نفسها، بل في الاعتماد المزمن على الاقتراض كحل أساسي. فالاقتصادات لا تبنى بالأذون والسندات، بل تبنى بقطاعات إنتاجية تولد عملة صعبة بشكل مستدام مثل صادرات صناعية حقيقية، سياحة عالية القيمة، استثمارات أجنبية مباشرة منتجة، وخدمات لوجستية وتكنولوجية قادرة على المنافسة.
ومن زاوية المخاطر، فإن الاقتراض بالدولار في ظل ضعف تدفقات العملة الصعبة يرفع حساسية المالية العامة تجاه أي صدمة خارجية، سواء كانت تقلبات في أسعار الفائدة العالمية أو ضغوطاً جديدة على سعر الصرف. وكلما زادت هذه الأدوات دون نمو حقيقي مواز، ارتفعت كلفة خدمة الدين واتسعت الفجوة التمويلية.
بالمختصر طرح أذون خزانة بالدولار ليس حلاً للأزمة الاقتصادية، بل هو أداة إدارة وقت. قد يكون ضرورياً في لحظته لتفادي ضغوط آنية، لكنه لا يغني عن الإصلاح الحقيقي. التعافي الفعلي يبدأ فقط عندما تنتقل الدولة من منطق تدبير الدولار إلى منطق إنتاج الدولار، ومن تمويل العجز إلى بناء اقتصاد قادر على تمويل نفسه بنفسه.
بغير ذلك، ستبقى كل جولة اقتراض مجرد حلقة جديدة في سلسلة التأجيل… لا في مسار الحل.

