في خضمّ النقاشات الدائرة حول التمويل الذي حصلت عليه سوريا من البنك الدولي، يبرز التباسٌ مقصود أحياناً، أو ناتج عن نقص في الفهم أحياناً أخرى، يتمثل في توصيف هذا التمويل على أنه «قرض» أو «دين جديد». والحقيقة، كما تؤكدها الوثائق الرسمية والتصريحات الحكومية، أن ما حصلت عليه سوريا منحة (Grant) وليست قرضاً، والفارق بين المفهومين جوهري.
أولاً: حقيقة التمويل… منحة لا تسدد
التمويل المخصص لسوريا من البنك الدولي تبلغ قيمته الأساسية نحو 146 مليون دولار، وهو ممول عبر المؤسسة الدولية للتنمية (IDA)، الذراع التمويلية التابعة للبنك الدولي والمختصة بدعم الدول الأشد تضرراً والأقل دخلاً. وزارة المالية السورية أكدت بشكل صريح أن هذا المشروع ممّول بمنحة كاملة وليس بقرض، وهو أول مشروع للبنك الدولي في سوريا منذ قرابة أربعين عاماً، ما يعني بوضوح:
- لا أصل يسدد
- لا فوائد تدفع
- لا دين يضاف إلى الموازنة العامة
- ولا أعباء ترحل إلى الأجيال القادمة
إن توصيف هذا التمويل كـ«دين» هو توصيف غير دقيق، ومخالف للواقع المالي والقانوني.
ثانياً: لماذا منحة وليست قرضاً؟
القرض، في أي دولة، يعني التزاماً طويل الأمد بالسداد، ويسجل كدين خارجي يضغط على الموازنة ويقيد القرار الاقتصادي.
أما المنحة، فهي أموال تقدم لدعم مشروع محدد دون أي التزام مالي مستقبلي، ويكون التركيز فيها على:
- جودة التنفيذ
- الشفافية
- تحقيق الأهداف التنموية
وفي حالة سوريا، اختار البنك الدولي صيغة المنحة تحديداً، إدراكاً لحجم الدمار في البنية التحتية، وحرصاً على عدم تحميل الدولة أعباء إضافية في مرحلة التعافي.
ثالثاً: أين ستُصرف أموال المنحة؟
المنحة تندرج ضمن ما يسمى «مشروع الطوارئ للكهرباء في سوريا»، وهو مشروع ذو أولوية وطنية، يمس حياة المواطنين بشكل مباشر.
1. مشاريع البنية التحتية الكهربائية
-
إعادة تأهيل خطّي ربط عالي التوتر بجهد 400 ك.ف تضررا خلال الحرب، وهما من أهم خطوط الربط الإقليمي التي تعيد وصل الشبكة السورية مع الأردن وتركيا. هذا الربط لا يقتصر على إصلاح محلي، بل يفتح الباب أمام استيراد الكهرباء, تعزيز استقرار الشبكة وتخفيض الانقطاعات.
-
إصلاح محطات تحويل عالية التوتر قريبة من مراكز الطلب، خاصة في المناطق الأكثر تضرراً والتي تستضيف كثافة من العائدين والنازحين، مع تزويدها بقطع التبديل وتحديث معدات الصيانة بالأضافة لتقليل الأعطال والفواقد الفنية.
2. الدعم الفني وإصلاح قطاع الكهرباء
المنحة لا تقتصر على الحديد والأسلاك، بل تمتد إلى العقل الإداري والتنظيمي للقطاع، عبر تمويل مساعدات فنية لإعداد استراتيجيات وطنية لقطاع الكهرباء بالأضافة لتحديث السياسات والتشريعات والتعرفة ووضع أطر تنظيمية تضمن استدامة القطاع على المدى المتوسط والطويل وإعداد خطط استثمارية لإعادة الإعمار والتوسع.
3. بناء القدرات المؤسسية
يخصص جزء أساسي من هذا التمويل لتطوير قدرات المؤسسات العاملة في قطاع الكهرباء، عبر تحسين أساليب إدارة المشاريع وتعزيز كفاءة الإدارة المالية، بما يضمن الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة. كما يركز الدعم على ترسيخ الالتزام بالمعايير البيئية والاجتماعية ومعايير السلامة المعتمدة دولياً، بما يحمي العاملين والمجتمع والبيئة في آنٍ معاً.
ولضمان أعلى درجات الشفافية والمهنية، يجري الاستعانة بشركات استشارية دولية وجهات رقابية مستقلة لمتابعة التنفيذ وتقييمه بشكل دوري، بحيث تكون المحاسبة منصبة على جودة الأداء وتحقيق النتائج الملموسة، لا على أقساط أو فوائد كما هو الحال في القروض.
رابعاً: ماذا يترتب على سوريا فعلياً؟
التزام سوريا لا يتمثل في دفع أموال، بل ينحصر في تنفيذ المشروع وفق المعايير الفنية المعتمدة، والالتزام بمبادئ الحوكمة والشفافية، واحترام المعايير البيئية والاجتماعية. ويتركز الهدف الأساسي على تحسين تزويد الكهرباء وتقليل ساعات الانقطاع بما ينعكس مباشرة على حياة المواطنين والأنشطة الاقتصادية. وبذلك، فإن العلاقة مع البنك الدولي في هذا المشروع هي علاقة تنفيذ ومساءلة تنموية تقوم على جودة الأداء وتحقيق النتائج، لا علاقة دين ومديونية.
خامساً: ما هو الأفق القادم؟
هذا المشروع ليس خطوة معزولة، بل جزء من حزمة دعم أوسع يجري التفاوض بشأنها، حيث تتحدث الحكومة السورية والبنك الدولي عن منح إضافية قد تصل إلى نحو مليار دولار خلال ثلاث سنوات في قطاعات خدمية وتنموية مختلفة وبالصيغة نفسها منح لا قروض.
أخيرا، المنحة التي حصلت عليها سوريا من البنك الدولي ليست قرضا وليست دينا، ولا تترتب عليها أي التزامات بالسداد، كما لا تحمل الدولة أو المواطنين أي أعباء مستقبلية. إنها فرصة حقيقية لإعادة بناء أحد أهم القطاعات الحيوية في البلاد، وفي الوقت نفسه تشكل امتحانا جديا لحسن الإدارة والشفافية. ومن هنا، فإن الدقة في الوصف ليست مسألة لغوية أو شكلية، بل مسؤولية وطنية، لأن تشويه الحقائق الاقتصادية لا يقل ضررا عن سوء الإدارة نفسها.

