في خطوة استراتيجية تعيد رسم خارطة التجارة البحرية في المنطقة، وقّعت الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية في سوريا اتفاقية استثمار ضخمة بقيمة 800 مليون دولار أمريكي مع شركة موانئ دبي العالمية، بهدف تطوير وتوسعة وتشغيل ميناء طرطوس وفق أعلى المعايير الدولية. مراسم التوقيع جرت اليوم في قصر الشعب بدمشق، بحضور السيد الرئيس أحمد الشرع.
شراكة متوازنة لبناء المستقبل
وأوضح رئيس الهيئة قتيبة بدوي خلال المؤتمر الصحفي الذي أعقب توقيع الاتفاقية، أن هذا المشروع جاء نتيجة أشهر من المفاوضات الدقيقة، مؤكداً أن الاتفاق صُمم ليحفظ مصالح الدولة السورية ويضمن شفافية الشراكة، مع مراعاة الأولويات الوطنية السورية.
وأشار بدوي إلى أن “موانئ دبي العالمية” أثبتت خلال مراحل التفاوض التزامها وجديتها، حيث تمتلك خبرات عالمية ورؤية استراتيجية تؤهلها للنجاح في هذا النوع من المشاريع، خاصة في البيئات ذات الخصوصية مثل سوريا.
وأضاف:
“ما وقّعناه اليوم ليس مجرد عقد تشغيل فني، بل هو بداية لمرحلة جديدة في قطاع النقل البحري السوري، وخطوة لإعادة تموضع سوريا على خارطة الاقتصاد الإقليمي والدولي.”
30 عاماً من التطوير.. واستثمار على ثلاث مراحل
من جانبه، أكد سلطان بن سليم، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة “موانئ دبي العالمية”، أن مدة الاتفاقية تمتد إلى 30 عاماً قابلة للتجديد، وتشمل تنفيذ المشروع على ثلاث مراحل استثمارية:
-
المرحلة الأولى: 200 مليون دولار
-
المرحلة الثانية: 200 مليون دولار
-
المرحلة الثالثة: 400 مليون دولار
وأشار إلى أن ضخ هذه الاستثمارات غير مقيد بجدول زمني صارم، مما يتيح مرونة في التنفيذ، وقد يتم تنفيذ المشروع بالكامل خلال العامين الأولين.
لماذا ميناء طرطوس؟
قال بن سليم إن ميناء طرطوس يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي على البحر المتوسط، يجعله بوابة مثالية تربط بين الشرق والغرب، وهو ما يفتح آفاقاً كبيرة للنقل والصناعة والاستثمار، خاصة في ظل التحولات العالمية في سلاسل الإمداد.
وأضاف:
“تلقينا مئات طلبات الاهتمام من مستثمرين دوليين منذ توقيع مذكرة التفاهم الأولى في أيار الماضي، ما يعكس ثقة عالمية متزايدة بقدرات سوريا على العودة كلاعب اقتصادي مؤثر.”
وأكد أن المشروع سيوفر آلاف فرص العمل، ويُطلق مرحلة تطوير صناعي ولوجستي جديدة، تشمل مناطق صناعية متخصصة وتحسين قدرات الميناء في الشحن والخدمات المرافقة.
اختيار مدروس وشركة ذات سجل عالمي
وأكد بدوي أن اختيار “موانئ دبي العالمية” جاء بعد دراسة معمّقة، نظراً لما تملكه الشركة من سجل مشهود في تشغيل عشرات الموانئ حول العالم في أوروبا وآسيا وأفريقيا. كما أشار إلى أن الطابع العربي للشركة ساهم في تسهيل التفاهم وتعزيز الأبعاد الاستراتيجية للشراكة.
ولفت إلى أن الشركة كانت من أوائل الجهات التي بادرت بعد تحرير الميناء لتقديم رؤية متكاملة لتطويره، وأثبتت جديتها من خلال إرسال وفود فنية إلى سوريا والمشاركة الفعالة في الجولات التفاوضية.
هذا التوقيع لا يُعد مجرد اتفاق اقتصادي، بل يمثل بداية مرحلة جديدة من الانفتاح والتكامل الاقتصادي لسوريا مع المحيطين الإقليمي والدولي، ويعيد الأمل بإحياء دور البلاد كمحور لوجستي واستثماري على البحر المتوسط.

