في الوقت الذي يشهد فيه العالم ارتفاعًا متسارعًا في معدلات الفائدة طويلة الأجل، تتجه الأنظار إلى ظاهرة بدأت في اليابان، وقد تمتد آثارها إلى الأسواق العالمية بأكملها. فالعوائد على السندات الحكومية اليابانية لأجل 30 عامًا ارتفعت بشكل حاد متجاوزة 3%، وهو ما يدفع المستثمرين اليابانيين لإعادة أموالهم إلى الداخل بدلاً من الاستثمار في سندات الخزانة الأمريكية.
يُظهر الرسم البياني أن العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عامًا رغم ارتفاعه إلى ما فوق 5%، إلا أنه بعد احتساب تكاليف التحوط من تقلبات العملة (Hedging)، يصبح أقل جاذبية من السندات اليابانية. هذا التغيير في توازن العوائد قد يؤدي إلى سحب سيولة ضخمة من الأسواق الأمريكية والأوروبية، خصوصًا من مستثمرين يابانيين كانوا تاريخيًا يعتمدون على عوائد أعلى في الخارج عبر ما يُعرف بتجارة “الكاري تريد” (Carry Trade).
لكن الأثر لا يتوقف عند اليابان. فارتفاع العوائد يعكس ضغطًا عالميًا ناتجًا عن تدهور الأوضاع المالية في كبرى الاقتصادات، وعلى رأسها الولايات المتحدة، التي تواجه عجزًا ماليًا يتجاوز 6% من الناتج المحلي الإجمالي، مع توقعات بارتفاع الدين العام إلى 120% خلال العقد القادم. وتفاقم الوضع مؤخرًا بعد تصويت الكونغرس على قانون “الفاتورة الجميلة”، الذي يتضمن تخفيضات ضريبية ضخمة ستزيد من عبء الدين.
في ظل هذا المشهد، ترتفع تكاليف الاقتراض طويل الأجل، ما يضغط على تقييمات الأسهم ويهدد بانخفاضها، خصوصًا أن الفارق بين العوائد على الأسهم وسندات الخزانة بدأ بالتقلص، مما يُضعف شهية المستثمرين للمخاطرة.
الأسواق اليوم تشبه سفينة مثقلة بالديون تقترب من دوامة العواصف… والرياح اليابانية كانت أول من نبه إلى اقتراب الخطر. فمع ارتفاع العوائد وتراجع شهية المستثمرين تجاه الأصول الأجنبية، يتزايد القلق من اضطرابات أوسع قد تضرب النظام المالي العالمي. فهل تدرك بقية الأسواق حجم التهديد قبل أن تعصف بها العاصفة؟

