في خطوة تُثير نقاشًا واسعًا في الأوساط الاقتصادية الأوروبية، حذّر البنك المركزي الأوروبي من أن إطلاق اليورو الرقمي قد يفتح الباب أمام موجة سحب غير مسبوقة من الودائع في البنوك التجارية، قد تصل قيمتها إلى 700 مليار يورو. هذا السيناريو، وإن كان يوصف بـ”المستبعد للغاية”، يثير تساؤلات جدية حول مدى قدرة القطاع المصرفي الأوروبي على التكيّف مع التحول نحو العملات الرقمية الرسمية.
المخاوف الرئيسية: أزمة سيولة محتملة
بحسب تقرير المحاكاة الذي أصدره المركزي الأوروبي، فإن تحديد سقف حيازة فردي لليورو الرقمي عند 3000 يورو قد يدفع المودعين إلى سحب ما يقارب 8.2% من إجمالي ودائع التجزئة. هذا التدفق المفترض من شأنه أن يستنزف احتياطيات السيولة لدى نحو 13 بنكًا من أصل أكثر من ألفي بنك في منطقة اليورو، وهو ما قد يُدخل المقرضين الأصغر حجمًا في أزمة سيولة حادة.
ورغم ذلك، شدّد التقرير على أن هذه المحاكاة قد تكون مبالغًا فيها، نظرًا لامتلاك عدد كبير من العملاء حسابات متعددة في أكثر من بنك، الأمر الذي يقلل من احتمالية حدوث موجة سحب جماعية بهذا الحجم.
في المقابل، بيّنت الدراسة أنه في الظروف الاعتيادية، أو ما يُعرف بـ”العمل كالمعتاد”، لن يتجاوز حجم السحوبات 100 مليار يورو. هذا الرقم، وفق المركزي الأوروبي، يمكن امتصاصه بسهولة عبر القطاع المصرفي، خصوصًا في ظل تزايد الاعتماد على وسائل الدفع الإلكترونية وتراجع الطلب على النقد الورقي، وهو ما يعزز مستويات الودائع بشكل عام.
للتقليل من المخاطر، قام البنك بمحاكاة عدة حدود بديلة لحيازة اليورو الرقمي، عند مستويات 500 و1000 و2000 يورو. وأظهرت النتائج أن جميع هذه الحدود تقلّص من حجم التدفقات الخارجة مقارنة بسقف الـ3000 يورو. ويخلص البنك إلى أن تحديد سقف الحيازة الفردية يمثل أداة أساسية لضبط المخاطر وحماية استقرار النظام المصرفي.
الانعكاسات على أرباح البنوك
إضافة إلى المخاطر المتعلقة بالسيولة، أشار التقرير إلى أن تحديد حد حيازة بـ3000 يورو قد يؤدي إلى خفض متوسط العائد على حقوق الملكية لدى البنوك بمقدار 30 نقطة أساس، مع تفاوت التأثير من دولة أوروبية إلى أخرى. هذا يعني أن القطاع المصرفي قد يواجه ضغوطًا إضافية على هوامش أرباحه، في وقت يعاني أصلًا من تحديات تنافسية وهيكلية.
تأتي هذه التحذيرات في وقت يمضي فيه الاتحاد الأوروبي بخطوات ملموسة نحو اعتماد اليورو الرقمي رسميًا. فقد اتفق وزراء المالية مؤخرًا على خارطة طريق تُمهّد للإطلاق، مع إبقاء القرارات النهائية المتعلقة بسقف الحيازة وآليات التطبيق قيد النقاش.
ختاماً, إطلاق اليورو الرقمي يُمثل ثورة في البنية النقدية للاتحاد الأوروبي، لكنه في الوقت ذاته يضع البنوك التجارية أمام اختبار صعب. وبينما يُعد السقف الفردي للحيازة وسيلة فعالة للحد من المخاطر، يبقى التحدي الأكبر في كيفية موازنة أهداف الابتكار المالي مع ضمان استقرار النظام المصرفي. فالانتقال إلى عصر النقود الرقمية لا يمكن أن يتم بمعزل عن معالجة الهواجس المتعلقة بالسيولة والربحية، لضمان أن تكون هذه الخطوة مكسبًا للأفراد والاقتصاد الأوروبي ككل، لا مصدرًا لمخاطر جديدة.

