سجلت عملة بيتكوين (BTC) قفزة تاريخية جديدة، لتبلغ مستوى $118,000 للمرة الأولى على الإطلاق، بعدما تخطّت حاجز $115,951 قبل نحو ساعتين فقط، في حدث اعتُبر علامة فارقة في مسارها الصعودي.
لكن على خلاف الطفرات السابقة التي قادها الهوس الجماهيري والرافعة المالية المفرطة، فإن الارتفاع الحالي يتّسم بمقومات أكثر نضجًا واستقرارًا، ويستند إلى دعائم هيكلية أقوى، تعكس تغيرًا عميقًا في طبيعة السوق.
حيتان البورصات تُحرك المياه
في حين كانت الارتفاعات الماضية مدفوعة بحيتان تعمل عبر بورصات أمريكية كـ “كوين بيس”، فإن الاختراق الأخير جاء نتيجة تحرك لافت من مستثمر ضخم يعمل عبر منصة “بينانس”، وما يجري ليس مجرد قفزة عشوائية، بل تحرك محسوب من لاعبين كبار ينتقون توقيتهم بدقة، في محاولة لإطلاق مرحلة جديدة من الصعود.
طلب حقيقي بدون رافعة مالية مفرطة
يمتاز هذا الصعود بغياب المبالغة في استخدام الرافعة المالية. إذ تُظهر مؤشرات السلسلة أن نسبة MVRV — وهي مقياس لتقييم السوق — تقف عند 2.2 فقط، مقارنة بـ 2.7 خلال قمم مارس وديسمبر 2024، ما يدل على أن السوق لم يبلغ حالة التشبّع الشرائي بعد.
كما أن معدلات التمويل (Funding Rates) لا تزال إيجابية بشكل طفيف، ما يعكس تراجع الاعتماد على المشتقات، في وقت يرتفع فيه حجم العقود المفتوحة تزامنًا مع السعر، نتيجة طلب عضوي نابع من الشراء الفعلي (السبوت)، لا المضاربة.
تدفقات ETF مستمرة… ومَن غاب عن الموجة؟
من جهة أخرى، واصلت صناديق الاستثمار المتداولة (ETF) ضخ السيولة في السوق، حيث تجاوزت التدفقات منذ منتصف أبريل 49 مليار دولار، مما يعكس شهية مؤسساتية مستقرة.
وفي المقابل، يظل المستثمر الفردي غائبًا عن المشهد. إذ تُظهر تحليلات UTXO أن 15% فقط من البيتكوين مملوك من قِبل مستثمرين قصيري الأجل، مقارنة بـ 30% عند أعلى قمة سابقة. وهذا يُعزز فرضية أن هذا الارتفاع لم يبلغ بعد مرحلة الحماسة الجماهيرية.
وبخلاف المعتاد، لا يُسهم المعدنون في الضغط البيعي هذه المرة. إذ يُظهر “مؤشر وضع المعدنين” (MPI) اتجاهًا هبوطيًا، مما يعني أن العديد من شركات التعدين تختار الاحتفاظ ببيتكوين بدلاً من تصريفه، الأمر الذي يخفف من الضغوط السوقية.
رياح سياسية وميل للتيسير النقدي
ويُضاف إلى ما سبق أن شهر يوليو تاريخيًا قوي لبيتكوين، وهذه المرة تحفّه رياح سياسية مواتية. فالاتجاه المتزايد نحو التيسير في السياسة النقدية الأمريكية، واحتمال صدور قانون GENIUS المنظم للعملات الرقمية قريبًا، قد يفتحان الأبواب أمام تنظيم أوضح واعتماد أوسع للأصول الرقمية في الولايات المتحدة.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد طفرة سعرية جديدة، بل تحول هيكلي عميق في سوق بيتكوين، يُمهد لصعود أكثر نضجًا، تقوده المؤسسات، ويغيب عنه التهوّر والمضاربة السريعة. إنها مرحلة جديدة… وأكثر رسوخًا.

