سجّلت الليرة التركية مستوى قياسيًا جديدًا بلغ 41.9 مقابل الدولار الأمريكي في أكتوبر 2025، لتواصل مسار التراجع التدريجي الذي بدأ منذ منتصف 2023 عقب تعيين فريق اقتصادي أكثر تقليدية من قبل الرئيس أردوغان. ومع ذلك، خسرت الليرة نحو 18% منذ بداية العام، ما يعكس هشاشة التوازن بين السياسة النقدية والسوق.
تعتمد أنقرة على سياسة ما يُعرف بـ “التقدير الحقيقي”، أي السماح بانخفاض تدريجي للعملة على أن يكون أبطأ من معدل التضخم، وذلك بهدف دعم القدرة التنافسية للصادرات. لكن هذه المقاربة تظل محفوفة بالمخاطر، خصوصًا مع استمرار ارتفاع الأسعار. فقد أظهرت البيانات الأخيرة أن معدل التضخم السنوي ارتفع لأول مرة منذ خمسة عشر شهرًا ليصل إلى 33.29% في سبتمبر، مدفوعًا بارتفاع أسعار الغذاء نتيجة الصقيع والجفاف.
من جهة أخرى، اتخذ البنك المركزي التركي خطوة مفاجئة بخفض سعر الفائدة الأساسي بمقدار 250 نقطة أساس إلى 40.5% في سبتمبر، وهو خفض أكبر مما توقّعه السوق. هذه الخطوة عكست رغبة الحكومة في تحفيز النمو الاقتصادي، لكنها أثارت تساؤلات حول مدى انسجام هذه السياسة مع هدف السيطرة على التضخم.
في المحصلة، تقف تركيا أمام معادلة معقدة: الحفاظ على استقرار العملة عبر التدخلات، كبح جماح التضخم، وضمان ثقة المستثمرين. الأشهر المقبلة ستكشف ما إذا كان مسار “التراجع المنضبط” لليرة قادرًا على الاستمرار في ظل هذه التحديات، أو أن ضغوط السوق ستجبر أنقرة على إعادة صياغة نهجها الاقتصادي.
توقعات الليرة التركية حتى نهاية 2025
مع استمرار تراجع الليرة في إطار سياسة الانخفاض التدريجي، يُرجَّح أن تبقى العملة تحت ضغط مزدوج يتمثل في ارتفاع التضخم والسياسة النقدية الميسرة. إذا استمر البنك المركزي في خفض الفائدة بوتيرة تفوق توقعات السوق، فمن المرجح أن يفقد المستثمرون المزيد من الثقة، ما قد يدفع الليرة إلى مستويات تتراوح بين 43 و45 ليرة مقابل الدولار بحلول نهاية 2025.
ومع ذلك، فإن قدرة البنك المركزي على التدخل في سوق الصرف الأجنبي وتوظيف احتياطياته تمنحه هامشًا للمحافظة على وتيرة “انخفاض منظم”، لتفادي أي انهيار حاد ومفاجئ. هذا يعني أن الحكومة ستحاول الإبقاء على حركة العملة ضمن نطاق يمكن التحكم به، مع الاعتماد على استراتيجية “التقدير الحقيقي” للحد من أثر التضخم على الاقتصاد المحلي.
بالتالي، من المرجح أن تشهد الليرة مزيدًا من التراجع لكن دون انهيار كبير، بحيث يبقى المسار أقرب إلى الانزلاق التدريجي المدروس، مع بقاء المخاطر مفتوحة إذا ما ارتفعت الضغوط التضخمية أو تراجعت قدرة البنك المركزي على التدخل في السوق.

