في خطوة تُعيد خلط الأوراق في عالم السياسة والاقتصاد الرقمي، أعلنت شركة ترامب للإعلام والتكنولوجيا، المالكة لمنصة “تروث سوشيال”، عن نيتها جمع 2.5 مليار دولار بهدف شراء البيتكوين، العملة الرقمية الأكبر في العالم. قرارٌ مفاجئ من حيث التوقيت والمضمون، جاء بالتزامن مع افتتاح مؤتمر بيتكوين 2025 في لاس فيغاس، حيث حضر أبناء الرئيس دونالد جونيور وإريك ترامب، في مشهد يبدو أنه أكثر من مجرد مصادفة.
يبدو أن ترامب لا يكتفي بالمراهنة على صناديق الاقتراع، بل بات يسعى إلى ترسيخ نفوذه في أسواق المال الرقمية، مستعينًا بما تبقى من وهج شعبيته ليُحوّل شركته الإعلامية من مجرد منصة تعبير سياسي إلى منصة استثمارية ذات طابع مالي مشفّر.
ولكن، هل هي استراتيجية اقتصادية مدروسة؟ أم قفزة في المجهول؟
تراجُع سهم الشركة بنسبة 30% منذ بداية العام، وخسائر بلغت 32 مليون دولار في الربع الأول من 2025، كلها مؤشرات تُشكك بقدرة الشركة على الصمود، فكيف الحال عندما تُغامر بضخ استثمارات هائلة في سوق معروف بتقلباته الحادة؟ إن اتخاذ البيتكوين “خزانة نقدية بديلة” في ظل هذه الظروف يثير تساؤلات حول مدى نضج القرار ومصداقية التوجه.
رئيس الشركة التنفيذي، ديفين نونيس، صرح قائلاً: “ننظر إلى البيتكوين كأداة عليا للحرية المالية.” لكن الحرية في الأسواق المالية لا تعني الفوضى أو الاندفاع خلف موجة شعبوية تتغذى على الحماس الإعلامي.
تشابه مع مايكروستراتيجي… ولكن الفارق كبير
صحيح أن شركات مثل مايكروستراتيجي وتسلا وبلوك اتخذت خطوات مشابهة بالاستثمار في العملات المشفرة، ولكن هذه الشركات تمتلك نماذج أعمال واضحة، وتدفقات نقدية مستقرة، وسجلات أداء مثبتة. أما شركة ترامب، فهي في جوهرها إعلامية ـ سياسية التوجه ـ لم تبرهن حتى الآن على قدرتها على خلق قيمة اقتصادية حقيقية أو استدامة مالية.
ومن الواضح أن الخطوة تأتي ضمن استراتيجية أوسع لترامب، الذي جعل من العملات المشفرة ركيزة في حملته الانتخابية الأخيرة. فإلى جانب الوعود بتنظيمات أكثر ودية للكريبتو، يسعى ترامب لإعادة تقديم نفسه كزعيم تقدمي يفهم متغيرات العصر. إلا أن الخط الفاصل بين الطموح السياسي والتلاعب بالسوق أصبح رفيعًا، بل وخطيرًا.
وقد تبدو هذه الخطوة مثيرة وجذابة لأنصار ترامب أو لمستثمري الكريبتو، لكنها أيضًا تُعيد للأذهان فقاعة المضاربات التي شهدها السوق في 2021. الفرق الوحيد اليوم أن الفاعل هنا ليس مجرد شركة ناشئة، بل كيانٌ مرتبط مباشرة برئيس سابق للولايات المتحدة، وشخصية عامة تسعى للعودة إلى المكتب البيضاوي.
ويبقى السؤال الأهم: هل تتحول شركة ترامب للإعلام إلى “مايكروستراتيجي 2.0″، أم أنها ستُدرج يومًا ما كقصة تحذيرية في كتب الاقتصاد السياسي؟

