يدخل سوق العقارات السعودي مرحلة جديدة، تتجسد في مشاريع طموحة تمزج بين الفخامة والخصوصية والجاذبية العالمية. ومن أبرز هذه المشاريع جزيرة لاحق في البحر الأحمر، التي تطورها شركة ريد سي جلوبال (Red Sea Global) التابعة لصندوق الاستثمارات العامة البالغ حجمه تريليون دولار. هذا المشروع لا يعكس فقط شهية المملكة للاستثمارات الضخمة، بل يترجم رؤيتها لتصبح وجهة عالمية للسكن الفاخر والسياحة الفائقة الرفاهية.
تمتد جزيرة لاحق على مساحة 400 هكتار، وهي أول مشروع سكني بالكامل تطوره الشركة ضمن محفظتها الساحلية التي تبلغ قيمتها 27 مليار دولار. التصميم بحد ذاته لافت؛ إذ جاءت الجزيرة بشكل حلقي يحيط ببحيرة اصطناعية جرى تشكيلها عبر أعمال تجريف، وتم تخطيطها لتكون مجتمعاً أخضر مخصصاً للأثرياء. يضم المشروع 528 فيلا و221 شقة سكنية، بأسعار تبدأ من 5.5 مليون ريال (1.5 مليون دولار) للشقق وتصل حتى 150 مليون ريال (40 مليون دولار) للفيلات الفاخرة. إضافة إلى ذلك، تحتوي الجزيرة على مرسى لليخوت، ملعب جولف، نادٍ شاطئي، مدارس لرياضات البحر والإبحار، سوق تقليدية (سوق)، وفندقين عالميين.
الاستراتيجية وراء الطفرة
لم تفتح المملكة سوقها العقاري أمام الأجانب إلا مؤخراً، وتأتي مشاريع مثل جزيرة لاحق كأداة رئيسية لجذب الاستثمارات الأجنبية الضرورية. الهدف هو منافسة مراكز عقارية راسخة مثل دبي، التي رسخت سمعتها كموطن لصفقات بملايين الدولارات. على عكس أزمة السكن التي يواجهها أبناء الطبقة المتوسطة في الرياض وجدة، يوجَّه مشروع لاحق إلى الأثرياء جداً الباحثين عن منازل ثانية أو ثالثة.
وبحسب ستيفن تشيسبرو، رئيس التطوير في ريد سي جلوبال، فإن مبيعات الوحدات السكنية للشركة بلغت 1.5 مليار ريال حتى الآن، مع توقعات بتحقيق مبيعات إضافية بقيمة 2 مليار ريال خلال هذا العام، معظمها من جزيرة لاحق. الاهتمام بالمشروع لا يقتصر على المشترين المحليين؛ إذ أبدى مستثمرون أجانب، ومشاهير، ولاعبون دوليون رغبة في اقتناء عقارات فيه. ويؤكد تشيسبرو أن المشروع جرى العمل عليه لعامين ونصف تقريباً بعيداً عن الأضواء، قبل أن يُعلن عنه رسمياً.
هذه المقاربة الفاخرة تعكس التحولات الأوسع في الاقتصاد السعودي تحت مظلة رؤية 2030، التي تهدف لتنويع مصادر الدخل بعيداً عن النفط، وتحويل السياحة والترفيه والعقار إلى محركات رئيسية للنمو. وبينما تعاني بعض المشاريع العملاقة مثل «نيوم» من التأخير، تبرز جزيرة لاحق بسرعة إنجازها كخطوة عملية نحو المستقبل.
التحديات والمقارنات
رغم الأسس التي تضعها المملكة لنهضة عقارية فاخرة، لا تزال هناك تحديات. فالسوق السعودي ما زال في مراحله الأولى مقارنة بدبي، حيث تتم صفقات بملايين الدولارات يومياً. ويشير خبراء إلى أن سوق الفخامة الفائقة في السعودية لا يزال “في طور التأسيس”، بعدد محدود من المشترين النشطين.
العوامل الاجتماعية تمثل تحدياً إضافياً، إذ قد تشكل القيود التقليدية مثل حظر الكحول عائقاً أمام بعض المستثمرين. إلى جانب ذلك، أدت قفزات الأسعار منذ 2019 إلى أزمة قدرة شرائية؛ حيث ارتفعت أسعار الشقق بنسبة 96% والفيلات بنسبة 53%، ما دفع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى التأكيد على ضرورة كبح الارتفاع “غير المقبول” في الأسعار حمايةً للمواطنين.
ومع ذلك، يظل البحر الأحمر برماله البيضاء وشعابه المرجانية وبحاره البكر ورقة رابحة. فهذه المنطقة، التي بقيت بعيدة عن التدفق السياحي لعقود، تقدم فرصة فريدة لتطوير منتجعات ومجتمعات سكنية بلمسة عالمية.
آفاق السوق
افتتاح مطار دولي جديد وزيادة الرحلات الجوية يعززان من جاذبية المنطقة للمستثمرين والسياح على حد سواء. تخطط ريد سي جلوبال لافتتاح 11 منتجعاً جديداً هذا العام، تضاف إلى خمسة فنادق فاخرة قائمة، بأسعار قد تصل إلى 7,000 ريال لليلة الواحدة. ومع دخول فنادق ذات مستويات أسعار أكثر تنوعاً، تأمل المملكة في استقطاب شريحة أوسع من الزوار، وليس فقط فئة “الفخامة الفائقة”.
أما بالنسبة لجزيرة لاحق تحديداً، فالإقبال قوي من المشترين الباحثين عن منازل عائلية متعددة الأجيال لقضاء العطلات، وكذلك من المستثمرين الأجانب الذين يبحثون عن أصول عقارية مرموقة وآمنة. من المتوقع افتتاح الجزء الجنوبي من الجزيرة في عام 2028، مما يعزز موقع المملكة كوجهة جديدة في سوق العقارات الفاخرة العالمية، تنافس ليس فقط دبي، بل أيضاً وجهات عالمية مثل جزر المالديف والريفييرا الفرنسية.
تمثل جزيرة لاحق في آن واحد تجربة جريئة ومحطة فاصلة في مسار سوق العقار السعودي. فهي تجسد طموحات المملكة في تحويل سواحلها البكر إلى مراكز عالمية للسياحة والاستثمار، وإعادة رسم صورتها كاقتصاد متنوع يعتمد على الفخامة والاستدامة والثقافة، على ضفاف البحر الأحمر.

