في خطوة تُعد من بين الأضخم في تاريخ صناعة أشباه الموصلات، تستعد دولة الإمارات العربية المتحدة لاستقبال مجمّع صناعي متكامل للرقاقات الإلكترونية، بالتعاون والشراكة مع شركة TSMC، عملاق التقنية التايواني والمورد الأول عالميًا للشرائح المتقدمة. المشروع الجديد، الذي سيكون على غرار “مشروع فينيكس” الجاري تنفيذه في أريزونا بتكلفة تقديرية تتجاوز 165 مليار دولار، يرسّخ مكانة الإمارات كمركز محوري في سلاسل التوريد العالمية للتقنيات المتقدمة.
المجمع الضخم، الذي يُعرف بـ “جيغافاب الإمارات”، سيضم ستة مصانع متقدمة لإنتاج الشرائح الإلكترونية التي تعتمد عليها شركات التكنولوجيا الكبرى مثل NVIDIA، AMD، وأبل. وتُعد هذه الخطوة نقلة استراتيجية في مسار TSMC نحو تنويع مواقع إنتاجها وتقليل الاعتماد على جزيرة تايوان، وسط التحديات الجيوسياسية المتزايدة في شرق آسيا.
رؤية استراتيجية: الإمارات قوة تكنولوجية صاعدة
اختيار الإمارات كموقع لمثل هذا المشروع ليس صدفة. بل يأتي تتويجاً لسنوات من الاستثمار المستدام في البنية التحتية، والسياسات التكنولوجية الجريئة، والشراكات العالمية التي جعلت من الدولة وجهة مفضلة للابتكار والإنتاج الصناعي المتقدم.
فالمشروع يعكس توافقاً استراتيجياً مع رؤية الإمارات في أن تصبح مركزًا عالميًا في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة. وقد تمهّد لهذا الإنجاز مشاريع سابقة نوعية، مثل مركز Stargate UAE العملاق للحوسبة، بالشراكة بين OpenAI ومجموعة G42 الإماراتية، إضافة إلى إطلاق نموذج الذكاء الاصطناعي العربي “فالكون عربي”.
تحالفات دولية وشراكات تقنية ترسّخ الدور الإماراتي
ما يعزز أهمية المشروع هو التعاون الوثيق بين TSMC، الحكومة الأمريكية، وشركة MGX الإماراتية، مما يؤكد أن هذا الإنجاز ليس مجرد توسّع تجاري، بل تحالف سياسي واقتصادي طويل الأمد يعكس ثقة العالم في الإمارات كموقع مستقر، آمن، ومجهز لاستقبال الاستثمارات الحساسة والتقنيات السيادية.
كما يأتي هذا التطور متزامناً مع مشاريع مماثلة في أوروبا، مثل مجمّع مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي الذي تنفذه MGX الإماراتية بالشراكة مع NVIDIA وعدد من الشركات الأوروبية، ما يشير إلى تنامي النفوذ الإماراتي في قيادة مستقبل الذكاء الاصطناعي من الشرق الأوسط إلى العالم.
تأسيس مجمّع TSMC في الإمارات لن يكون مجرد مشروع صناعي، بل نقطة تحول تاريخية تعيد رسم خريطة الاقتصاد الوطني، من اقتصاد قائم على النفط والغاز إلى اقتصاد معرفي قائم على التكنولوجيا الفائقة. وسيوفر المشروع آلاف فرص العمل المتخصصة، ويُسهم في نقل المعرفة، وبناء كوادر إماراتية مؤهلة في واحد من أكثر القطاعات حساسية وتقدماً في العالم.
الإمارات ليست المستقبل، بل الحاضر التكنولوجي للعالم
بهذا المشروع الضخم، تُثبت الإمارات أنها لم تعد فقط تطمح لمستقبل تقني، بل تصنعه. فبينما لا تزال دولٌ كبرى تناقش سياسات الذكاء الاصطناعي وسلاسل التوريد، تتحرك الإمارات بخطى واثقة نحو تصدّر مشهد التصنيع العالمي للتقنيات الدقيقة، لتصبح منارة عالمية لصناعة الرقاقات، وعصبًا حيويًا للاقتصاد التكنولوجي الجديد.

